الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية بين رهانات الإصلاح وصراعات الداخل: من يقود من؟

الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية إحدى الركائز الاستراتيجية للدولة، ليس فقط لكونها تضطلع بمهمة تحصين الأمن العقاري، بل أيضًا لدورها الحيوي في دعم الاستثمار وضمان استقرار المعاملات العقارية، فضلاً عن مساهمتها المهمة في تغذية الميزانية العامة. ومن هذا المنطلق، فإن تعيين مديرها العام بظهير شريف يعكس حجم الثقة والمسؤولية الملقاة على عاتق من يتولى قيادتها.

في هذا السياق، جاء تعيين كريم تجموعتي على رأس هذه المؤسسة ليحمل في طياته إشارات قوية على توجه الدولة نحو ضخ كفاءات تدبيرية ذات خبرة عالية، خاصة وأن الرجل راكم تجربة معتبرة على رأس القرض الفلاحي للمغرب، حيث نجح في إعادة هيكلة المؤسسة وتعزيز مكانتها داخل النسيج المالي الوطني.

غير أن الرهان على الكفاءة التقنية والتدبيرية، مهما بلغت قوتها، يصطدم أحيانًا بواقع إداري معقد، عنوانه الأبرز: صراع الأقطاب داخل المؤسسة. فالمعطيات المتداولة تشير إلى احتدام تنافس داخلي بين مراكز نفوذ، تغذيه حسابات ضيقة وتوازنات غير معلنة، وهو ما يُفرغ أي رؤية إصلاحية من مضمونها، أو على الأقل يُبطئ من وتيرتها.

إن الإشكال لا يقف عند حدود الاختلاف المهني المشروع، بل يتجاوزه إلى ما يشبه “حرب مواقع” داخلية، حيث تتقاطع الاتهامات وتتشكل التحالفات، في مشهد يعيد طرح سؤال الحكامة داخل مؤسسة يفترض أن تكون نموذجًا في الانضباط والنجاعة. الأخطر من ذلك، هو استمرار بعض المسؤولين في مناصبهم لمدد تتجاوز ما هو متعارف عليه إداريًا، في تجاهل صريح لروح التداول على المسؤولية، وهو ما يفتح الباب أمام ترسخ ممارسات تقليدية تُعيق دينامية التغيير.

هذه الوضعية تطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى تنزيل مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، داخل مؤسسة يفترض أن تكون في طليعة الأوراش الإصلاحية. فكيف يمكن الحديث عن تحديث الإدارة ورقمنة الخدمات، في ظل بيئة داخلية متوترة تُغذّيها الصراعات وتُعطل القرار؟

لا شك أن المدير العام الحالي يواجه تحديًا مزدوجًا: من جهة، الاستمرار في تنزيل خارطة طريق إصلاحية طموحة، ومن جهة أخرى، تفكيك بؤر التوتر الداخلي التي تُهدد بانحراف المؤسسة عن مسارها الاستراتيجي. وهو تحدٍ لا يُمكن ربحه فقط بالكفاءة التقنية، بل يتطلب جرأة في اتخاذ القرار، وإرادة حقيقية لإعادة ترتيب البيت الداخلي.

إن الرهان اليوم لم يعد فقط على تطوير الأداء المؤسساتي، بل على استعادة منطق الدولة داخل المؤسسة، بما يعنيه ذلك من وضوح في المسؤوليات، وحسم في الاختلالات، وقطع مع ثقافة الامتيازات غير المبررة. فالمؤسسات الاستراتيجية لا تُدار بمنطق التوازنات الهشة، بل بمنطق النجاعة والمصلحة العامة.

وفي النهاية، يبقى السؤال الجوهري مطروحًا: هل سينجح كريم تجموعتي في كسب معركة الإصلاح من الداخل، أم أن صراعات الأقطاب ستظل العائق الأكبر أمام تحويل الوكالة إلى نموذج مؤسساتي حديث يواكب طموحات محمد السادس في تحديث الإدارة وتعزيز ثقة المواطن في المرفق العمومي؟

الإجابة لن تتأخر كثيرًا، لكنها ستُقاس بالأفعال لا بالنيات.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد