مرة أخرى، تعود الحكومة بقيادة عزيز أخنوش إلى طاولة الحوار الاجتماعي مع النقابات الأكثر تمثيلية، محملة بحزمة من الإجراءات التي تبدو، في ظاهرها، استجابة لانتظارات الشغيلة في القطاع العام. غير أن قراءة متأنية لهذه النتائج تكشف مفارقة عميقة بين منطق “التحسين الآني للأجور” ومنطق “العدالة الاجتماعية المستدامة”.
لقد تم الإعلان عن زيادة عامة صافية في الأجور بقيمة 1000 درهم شهرياً، موزعة على مرحلتين، لفائدة موظفي الإدارات العمومية والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية. كما شمل الاتفاق الرفع من التعويضات العائلية وتحسين حصيص الترقية، مع تحديد حد أدنى للأجر في القطاع العام في حدود 4500 درهم. وتؤكد الأرقام الرسمية أن متوسط الأجر الصافي انتقل من 8237 درهم سنة 2021 إلى حوالي 10600 درهم سنة 2025، أي بزيادة تناهز 29 في المائة.
وعلى مستوى القطاعات الحيوية، تم ضخ اعتمادات مالية مهمة: 18,47 مليار درهم لقطاع التربية الوطنية، و4 مليارات درهم سنوياً لقطاع الصحة، و2 مليار درهم للتعليم العالي. وهو ما يعكس، نظرياً، إرادة لتعزيز جاذبية الوظيفة العمومية وتحسين جودة الخدمات العمومية. أما الكلفة الإجمالية لهذه الإجراءات، فتناهز 48,3 مليار درهم مع نهاية سنة 2026، وهو رقم يعكس حجم الالتزام المالي للدولة، لكنه يطرح في الآن ذاته تساؤلات حول الاستدامة والنجاعة.
غير أن هذا المشهد “الإيجابي” يخفي وراءه اختلالاً بنيوياً طالما تم التغاضي عنه: فئة المتقاعدين. هذه الفئة، التي تعد الأكثر هشاشة وتضرراً من تقلبات القدرة الشرائية، ظلت خارج دائرة الاهتمام، رغم أن معاشاتها تعرف جموداً منذ أزيد من 15 سنة. وهنا يبرز التناقض الصارخ في فلسفة الحوار الاجتماعي، الذي يبدو موجهاً نحو تدبير الحاضر أكثر من تصحيح اختلالات الماضي.
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم، والذي تطرحه هيئة تحرير جريدة “بيتنا الآن”، لا يتعلق فقط بقيمة الزيادات، بل بطبيعتها القانونية والمالية:
هل ستُصرف هذه الزيادات في شكل تعويضات ظرفية؟ أم سيتم إدماجها في الأجر الأساسي (Salaire de base) بما يضمن انعكاسها مستقبلاً على معاشات التقاعد؟
هذا السؤال ليس تقنياً فقط، بل هو في صلب العدالة الاجتماعية. فإذا كانت الزيادات ستظل في خانة التعويضات، فإن أثرها سيكون مؤقتاً، ولن ينعكس على حقوق التقاعد، مما يعني إعادة إنتاج نفس الهشاشة التي يعاني منها المتقاعدون اليوم. أما إذا تم إدماجها في الأجر الأساسي، فذلك سيشكل خطوة حقيقية نحو إصلاح منظومة الأجور والتقاعد بشكل متكامل.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن في ضخ أرقام مالية كبيرة، بل في بناء سياسة أجور عادلة ومندمجة، تراعي التوازن بين الموظف النشيط والمتقاعد، وبين الحاضر والمستقبل. فالحوار الاجتماعي، في جوهره، ليس فقط آلية لامتصاص الاحتقان، بل أداة لإعادة توزيع الثروة بشكل منصف ومستدام.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى الأمل معلقاً على جولات قادمة من الحوار، تكون أكثر جرأة في طرح الملفات المؤجلة، وعلى رأسها ملف التقاعد، الذي لم يعد يحتمل مزيداً من التأجيل أو الحلول الترقيعية.