التواصل بالوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية: بين إشكالية الهيكلة وسؤال الكفاءة
سبق لجريدة “بيتنا الآن” الإلكترونية أن تناولت، في إطار رسالتها الإعلامية القائمة على الموضوعية والاستقلالية، موضوع التواصل داخل الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، وذلك من خلال مقال نشر بتاريخ 16 يونيو 2026 تحت عنوان: “بين الواقع والبلاغات الترويجية.. هل قدمت الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية إجراءات استثنائية فعلاً لفائدة الجالية المغربية بالخارج؟”.
وجريدة “بيتنا الآن”، التي اختارت لنفسها شعار “الخبر مقدس والتعليق حر”، لا تنتظر من أي جهة فتات الإشهار حتى تحدد لها ما تكتب وما لا تكتب، بل تعتبر استقلاليتها المهنية رأسمالها الحقيقي. وهي مؤسسة إعلامية حرة في خطها التحريري، لا تنحاز إلا للحقيقة، ويشرف عليها طاقم تلقى تكوينه الأكاديمي في مؤسسات متخصصة في الإعلام والاتصال، وفي مقدمتها المعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط، الذي تخرجت منه أجيال من الإعلاميين والكفاءات التي بصمت المشهد الإعلامي الوطني والدولي.
واليوم نعود لطرح سؤال جوهري يتعلق بمنظومة التواصل داخل الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية: من المسؤول فعلياً عن تدبير هذا القطاع الحيوي داخل مؤسسة استراتيجية يعين مديرها العام بظهير شريف؟ وهل يعقل أن يتم تدبير مؤسسة بهذا الحجم برأسين بدل رأس واحد؟
يروي أحد الوزراء السابقين، الذي ما يزال على قيد الحياة، أنه أثناء إعداد مشروع تحويل إدارة عمومية إلى مكتب وطني، سأله الوزير الأول آنذاك عن الهيكلة المقترحة، فأجابه بأن المكتب سيكون على رأسه مدير عام وكاتب عام. فما كان من الوزير الأول إلا أن رفض الفكرة قائلاً: “لا يمكن لأي مؤسسة أن تسير برأسين، المدير العام وحده هو المسؤول الأول والأخير.”
هذه القاعدة الإدارية تبدو اليوم مطروحة للنقاش داخل الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، خاصة وأن قطاع التواصل والإعلام يوجد، حسب الهيكلة المعمول بها، تحت إشراف الكاتب العام، في حين جرت الأعراف داخل المؤسسات العمومية والوزارات الكبرى على أن تكون خلية التواصل مرتبطة مباشرة بالمسؤول الأول عن المؤسسة، سواء كان وزيراً أو مديراً عاماً، بالنظر إلى حساسية هذا القطاع وأهميته الاستراتيجية.
فالتواصل لم يعد مجرد إصدار بلاغات أو تنظيم أنشطة مناسباتية، بل أصبح علماً قائماً بذاته يعتمد على التخطيط والتدبير الاستراتيجي للأزمات والعلاقات العامة وبناء الصورة المؤسساتية. ولذلك فإن الإشراف عليه يقتضي توفر كفاءات متخصصة ومؤهلة أكاديمياً ومهنياً في مجالات الإعلام والاتصال والعلاقات العامة.
غير أن الملاحظ، بحسب العديد من المتتبعين، أن خلية التواصل داخل الوكالة تعاني من اختلالات واضحة، سواء على مستوى التدبير أو على مستوى اختيار الموارد البشرية المكلفة بهذا المجال، وهو ما انعكس سلباً على صورة المؤسسة، التي أصبحت موضوع انتقادات متكررة في عدد من المنابر الإعلامية الوطنية.
وإذا كان الكاتب العام يتحمل جزءاً من المسؤولية بحكم إشرافه المباشر على هذا القطاع، فإن المدير العام بدوره يتحمل المسؤولية الإدارية باعتباره المسؤول الأول عن حسن سير المؤسسة واختيار توجهاتها الاستراتيجية.
إن المرحلة الحالية تقتضي إعادة النظر في موقع خلية التواصل داخل الهيكلة التنظيمية للوكالة، وإلحاقها مباشرة بالمدير العام، مع تعزيزها بأطر متخصصة في الإعلام والاتصال، قادرة على مواكبة التحولات التي يعرفها هذا المجال، وعلى تقديم صورة حقيقية واحترافية لمجهودات المؤسسة وإنجازاتها.
فمؤسسة استراتيجية بحجم الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية تستحق جهاز تواصل حديثاً وفعالاً، كما تستحق هيكلة إدارية واضحة المعالم والمسؤوليات، لأن نجاح المؤسسات الكبرى يبدأ أولاً من وضوح القرار ووحدة القيادة، وينتهي بقدرتها على التواصل الجيد مع محيطها وشركائها ومرتفقيها.