التقارير اليومية لرجال السلطة بين نقل الحقيقة وصناعة الوهم الإداري

تتساءل العديد من الفعاليات الإدارية والمهتمين بالشأن الترابي، وخاصة أولئك الذين راكموا تجربة طويلة داخل دهاليز وزارة الداخلية، عن مدى مصداقية ودقة التقارير اليومية التي ترفعها مختلف مصالح الإدارة الترابية إلى الجهات المركزية، باعتبارها المصدر الأساسي الذي تعتمد عليه الدولة في استقراء أوضاع الأقاليم والعمالات ورصد التحولات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية التي تعرفها مختلف المناطق.

فهل تعكس هذه التقارير فعلاً الواقع الذي تعيشه الساكنة؟ وهل تنقل بصدق حجم الإكراهات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه المواطنين؟ وهل تقدم صورة حقيقية عن وضعية التموين بالأسواق، وعن مستوى الرضا أو التذمر السائد في أوساط الرأي العام المحلي؟ أم أنها في بعض الحالات تتحول إلى مجرد وثائق إدارية صيغت لإرضاء المسؤولين وتقديم صورة وردية لا علاقة لها بالواقع؟

إن التقارير اليومية التي ينجزها رجال السلطة بالباشويات والدوائر والقيادات ليست مجرد أوراق إدارية عابرة، بل هي بمثابة العين التي ترى بها الدولة أوضاع الأقاليم، والمرآة التي تنعكس عليها حقيقة ما يجري في الميدان. ومن خلالها تُبنى التصورات، وتُتخذ القرارات، وتُرسم السياسات العمومية. لذلك فإن أي خلل في مضمونها أو أي مبالغة أو إخفاء للحقائق قد يؤدي إلى تشخيص خاطئ للواقع، وبالتالي إلى قرارات لا تستجيب للحاجيات الحقيقية للمواطنين.

ومن هذا المنطلق، يقاس نجاح عامل الإقليم، كما يقاس أداء رئيس قسم الشؤون الداخلية، بقدرتهما على ضمان وصول المعلومة الصحيحة والدقيقة إلى الجهات المركزية، بعيداً عن المجاملة أو التهويل أو الانتقائية. فالمسؤول الترابي الناجح هو الذي يحيط بكل صغيرة وكبيرة داخل نفوذ اختصاصه، ويتوفر على آليات فعالة للتحقق من المعطيات قبل رفعها إلى المصالح المركزية.

أما حين يصبح العامل رهيناً بما يقدمه له مدير ديوانه أو بعض المسؤولين الإداريين من تقارير غير دقيقة أو نشرات إخبارية لا تنقل الحقيقة كاملة، فإن الخطر يصبح مضاعفاً. ذلك أن الإدارة المركزية ستبني تصوراتها على معطيات مغلوطة، في الوقت الذي تكون فيه أجهزة موازية ومصادر أخرى قد نقلت صورة مختلفة وأكثر دقة عن الواقع. وهنا تكمن الطامة الكبرى، لأن تضارب المعطيات يفقد التقارير الرسمية قيمتها ومصداقيتها.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الصحافة الجادة والمسؤولة التي لا تكتفي بنقل الأخبار، بل تمارس دورها الرقابي والتنويري، من خلال رصد الاختلالات والتنبيه إليها والمساهمة في تصحيح المعلومة وإيصالها إلى الجهات المعنية. فالصحافة المهنية ليست خصماً للإدارة، بل شريكاً في ترسيخ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ولعل بعض الأقاليم تقدم اليوم نماذج مقلقة في هذا المجال، حيث تُرفع أحياناً نشرات وتقارير لا تعكس حقيقة المزاج العام ولا تنقل بدقة انشغالات المواطنين، خاصة عندما يتعلق الأمر بمؤشرات الرأي العام ومستوى الرضا عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية. وهي معطيات حساسة يفترض أن تستند إلى أسس موضوعية وميدانية، لا إلى تقديرات شخصية أو قراءات انتقائية.

ولنا عودة إلى هذا الموضوع، من خلال التوقف عند بعض الحالات التي تستوجب النقاش والتدقيق، حفاظاً على مصداقية التقارير الإدارية وعلى حق الدولة في التوفر على المعلومة الصحيحة، وحق المواطنين في أن تصل أصواتهم كما هي، دون زيادة أو نقصان.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا