آليات جهة الشرق في قلب الجدل بجرسيف: تنمية لفائدة الساكنة أم حملة انتخابية سابقة لأوانها؟

مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية، تعود إلى الواجهة بإقليم جرسيف أسئلة محرجة حول الحدود الفاصلة بين العمل التنموي المشروع والاستغلال السياسي للوسائل والإمكانيات العمومية. وهي أسئلة تفرض نفسها بقوة في ظل ما تتداوله ساكنة عدد من الجماعات القروية بشأن عمليات فتح وتأهيل المسالك القروية بواسطة آليات ومعدات تابعة لمؤسسات عمومية، في توقيت سياسي حساس لا يفصلنا عن موعد الانتخابات التشريعية سوى بضعة أشهر.

 

إن التنمية القروية ليست جريمة، وفتح المسالك الطرقية لفائدة الساكنة مطلب مشروع وحق من حقوق المواطنين، لكن الإشكال الحقيقي يطرح عندما تتحول المشاريع العمومية إلى مادة للدعاية السياسية أو عندما يُعطى الانطباع للرأي العام بأن جهة سياسية معينة هي صاحبة الفضل الحصري في إنجاز مشاريع تمول من المال العام وتنفذ بوسائل عمومية يفترض أنها ملك لجميع المواطنين.

وفي هذا السياق، تتساءل فعاليات محلية وساكنة بالإقليم عن طبيعة العمليات الجارية في عدد من المناطق القروية، وعن مدى احترامها لمبدأ الحياد الواجب على المؤسسات العمومية خلال الفترات السابقة للاستحقاقات الانتخابية. كما تطرح علامات استفهام حول ظهور بعض المنتخبين والسياسيين بشكل متكرر إلى جانب هذه الأشغال، بما قد يخلق لدى المواطنين انطباعاً بوجود حملة انتخابية مبكرة تتخذ من المشاريع العمومية وسيلة لاستمالة الناخبين.

 

والأكثر إثارة للنقاش، حسب المتابعين للشأن المحلي، هو الصمت الذي يطبع موقف السلطات الإقليمية تجاه هذه التساؤلات. فالرأي العام المحلي كان يعقد آمالاً كبيرة على التعيينات الجديدة بالإقليم من أجل ترسيخ مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين السياسيين، غير أن غياب أي توضيح رسمي بشأن ما يجري فتح الباب أمام التأويلات والتساؤلات.

 

فما هو موقف عامل إقليم جرسيف من هذه المعطيات المتداولة؟ وهل تم التأكد من احترام جميع الضوابط القانونية والتنظيمية المؤطرة لاستعمال الآليات والوسائل العمومية؟ وما هو دور قسم الشؤون الداخلية في تتبع مدى احترام قواعد المنافسة السياسية الشريفة وضمان حياد الإدارة الترابية؟

 

كما أن الرأي العام المحلي ينتظر بدوره توضيحات من والي جهة الشرق ومن وزارة الداخلية باعتبارهما الجهتين المكلفتين بالسهر على احترام القانون وضمان تكافؤ الفرص بين جميع الفاعلين السياسيين، خاصة عندما يتعلق الأمر بشبهات استغلال وسائل عمومية قد تؤثر على نزاهة التنافس الانتخابي أو تخلق إحساساً بعدم المساواة بين مختلف المتنافسين.

 

إن المطلوب اليوم ليس تعطيل المشاريع التنموية أو عرقلة مصالح المواطنين، بل ضمان أن تتم هذه المشاريع في إطار من الشفافية والحياد والوضوح، بعيداً عن أي توظيف انتخابي محتمل، وبما يحفظ ثقة المواطنين في المؤسسات ويصون مصداقية العملية الديمقراطية.

وتبقى أفضل وسيلة لتبديد الشكوك هي التواصل المؤسساتي الواضح وتقديم المعطيات الدقيقة للرأي العام حول طبيعة هذه الأشغال، مصادر تمويلها، البرامج التي تندرج ضمنها، والجهات المشرفة عليها، حتى لا تتحول التنمية إلى موضوع جدل سياسي، ولا يصبح المال العام مجالاً لتبادل الاتهامات بين الفرقاء.

 

إن ساكنة جرسيف، التي تنتظر مشاريع حقيقية ومستدامة تخرج الإقليم من دائرة التهميش، تستحق أجوبة واضحة بقدر ما تستحق تنمية عادلة لا ترتبط بالمواعيد الانتخابية ولا تخضع لحسابات الأصوات والصناديق.

تبقى الأسئلة المطروحة اليوم معلقة في انتظار أجوبة واضحة من الجهات المعنية، خاصة فيما يتعلق بظروف وملابسات فتح عدد من المسالك القروية بإقليم جرسيف باستعمال آليات وإمكانيات عمومية في ظرفية سياسية دقيقة تسبق الاستحقاقات التشريعية المقبلة. كما يبقى الرأي العام المحلي في حاجة إلى توضيحات رسمية ترفع كل لبس حول مدى احترام مبدأ حياد الإدارة وتكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين السياسيين.

ولأن الأمر يتعلق بتدبير الشأن العام وبكيفية استعمال الوسائل الممولة من المال العام، فإن حق المواطنين في المعلومة وفي مراقبة تدبير المرافق العمومية يظل حقاً مشروعاً لا يقبل التأويل أو التضييق.

ولنا عودة للموضوع في أعداد قادمة، لكشف المزيد من المعطيات المرتبطة بشبهات استغلال عمليات فتح المسالك بالعالم القروي بإقليم جرسيف، مع نشر شهادات ومعطيات ووثائق ومعطيات ميدانية، وفتح النقاش حول دور السلطات الإقليمية والجهوية في ضمان نزاهة المنافسة السياسية وحماية المال العام من أي توظيف انتخابي محتمل، وذلك في إطار احترام القانون وحق الرأي العام في الوصول إلى الحقيقة كاملة.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا