مفارقة الأجور داخل وزارة التربية الوطنية… حين يصبح “المركزي” أقل من “الجهوي” و”الإقليمي”

في واحدة من أكثر المفارقات الإدارية إثارة للاستغراب داخل قطاع حيوي كقطاع التعليم، تطفو إلى السطح اليوم معطيات تكشف اختلالا عميقا في هرم الأجور بين المسؤولين. فبينما يُفترض منطقيا أن يحتل المدير المركزي قمة الهرم من حيث التعويضات بحكم موقعه الاستراتيجي داخل الإدارة المركزية، تكشف الأرقام المتداولة عكس ذلك تماما: مدير مركزي براتب يقارب 25 ألف درهم، مقابل 30 ألف درهم للمدير الإقليمي، وصولا إلى نحو 50 ألف درهم لمدير الأكاديمية الجهوية.

هذه المفارقة لا تطرح فقط سؤال العدالة الأجرية، بل تضرب في العمق مبدأ توازن المسؤولية مع التحفيز، وتكشف عن خلل بنيوي في هندسة الوظيفة العمومية داخل وزارة بحجم وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة.

هرم مقلوب… حين تختل المعادلة

من حيث المنطق الإداري، يمثل المدير المركزي عقل الوزارة المدبر، حيث تُصاغ السياسات العمومية، وتُرسم الاستراتيجيات الكبرى، وتُتابع البرامج الوطنية. بينما يضطلع المدير الإقليمي ومدير الأكاديمية بأدوار تنفيذية وترابية، رغم أهميتها.

لكن الواقع الحالي يقلب هذا الهرم رأسا على عقب، ويخلق وضعا غير متوازن يجعل من المسؤول المركزي أقل تحفيزا ماديا من نظرائه في المستويات الترابية، وهو ما قد ينعكس سلبا على جاذبية هذه المناصب وعلى جودة صناعة القرار داخل الإدارة المركزية.

مسؤولية ممتدة… وليست ظرفية

تحميل المسؤولية للحكومة الحالية أو للوزير الوصي محمد سعد برادة قد يبدو طرحا سهلا، لكنه في العمق اختزال مخل. فهذه الوضعية هي نتيجة تراكمات لسنوات من التدبير الترقيعي لمنظومة الأجور، حيث غابت رؤية شمولية لإصلاح نظام التعويضات داخل الوظيفة العمومية.

ولا يمكن هنا تجاهل مرحلة الحكومات السابقة، خاصة خلال قيادة حزب العدالة والتنمية، التي كان من المفترض أن تعالج مثل هذه الاختلالات البنيوية، لكنها انشغلت بإصلاحات جزئية وتركت ملفات حساسة، من بينها عدالة الأجور، دون حسم.

النقابات… ذاكرة قصيرة أم انتقائية نضالية؟

الأكثر إثارة للجدل في هذا الملف ليس فقط الاختلال في الأجور، بل توقيت إثارته. فعدد من النقابات التي ترفع اليوم صوتها عاليا، التزمت صمتا لسنوات طويلة، رغم أن هذه الوضعية ليست وليدة اللحظة.

هذا السلوك يطرح أكثر من علامة استفهام حول منسوب المصداقية النقابية، وهل نحن أمام دفاع حقيقي عن الحقوق، أم مجرد توظيف ظرفي لملفات اجتماعية في سياقات سياسية معينة؟

تداعيات صامتة… لكن خطيرة

استمرار هذا الوضع لا يمر دون آثار، بل يخلق تداعيات عميقة، من بينها:

ضعف جاذبية المناصب المركزية، وهروب الكفاءات نحو مواقع أكثر تحفيزا ماديا

اختلال في منظومة اتخاذ القرار، نتيجة تراجع الحافزية داخل الإدارة المركزية

تكريس شعور بعدم الإنصاف داخل الجهاز الإداري

نحو إعادة هيكلة عادلة

ما تحتاجه وزارة التربية الوطنية اليوم ليس مجرد ترقيع جزئي، بل مراجعة شاملة لمنظومة التعويضات، تقوم على:

ربط الأجر بحجم المسؤولية الاستراتيجية وليس فقط الامتداد الترابي

تحقيق العدالة الأفقية والعمودية داخل المناصب

توحيد الرؤية بين المركز والجهة والإقليم في إطار حكامة متوازنة

خاتمة

قضية المديرين المركزيين ليست مجرد نقاش حول أرقام، بل مرآة تعكس عمق الاختلالات التي ما زالت تعاني منها الإدارة المغربية. فحين يفقد المنصب المركزي قيمته التحفيزية، فإننا لا نهدد فقط توازن المؤسسة، بل نضعف قدرتها على رسم سياسات تعليمية ناجعة.

إنها لحظة صدق تستدعي القطع مع منطق التراكمات، وفتح ورش إصلاح حقيقي يعيد الاعتبار لمنطق المسؤولية مقابل الأجر… بعيدا عن الحسابات الضيقة، وقريبا من مصلحة المدرسة العمومية

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد