صمتٌ مُكلف: حين تتحول الحقوق الاجتماعية لمستخدمي المحافظة العقارية إلى ملف منسي بين وزارة المالية والأمانة العامة للحكومة
في الوقت الذي تُرفع فيه شعارات الدولة الاجتماعية، وتُسوّق الحكومة لبرامج دعم الفئات المهنية وتحسين أوضاعها، يظل ملف إحداث مؤسسة للأعمال الاجتماعية لفائدة مستخدمي الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية حبيس الرفوف، في صمتٍ إداري طال أمده بشكل غير مبرر، بل ويكاد يتحول إلى نموذج صارخ على التعطيل الممنهج للحقوق الاجتماعية.
أكثر من خمس سنوات من “الصيام الإداري” لوزارة الاقتصاد والمالية، ومعها الأمانة العامة للحكومة، دون أي تقدم يُذكر في إخراج هذا المشروع إلى حيز الوجود. خمس سنوات كفيلة بطرح أكثر من علامة استفهام حول حقيقة الإرادة السياسية والإدارية في إنصاف فئة تُعد من الأعمدة الأساسية في تأمين الملكية العقارية وضمان الاستقرار الاقتصادي والقانوني للبلاد.
المفارقة الصادمة أن نفس الوزارة التي لا ترى حرجاً في اقتطاع ما يقارب 700 مليار سنتيم من مداخيل الوكالة، التي تتجاوز سنوياً 1000 مليار سنتيم، لضخها في الميزانية العامة للدولة، تبدو عاجزة – أو غير راغبة – في تحريك ملف اجتماعي لا يتطلب سوى قرار إداري وإرادة سياسية. أي منطق هذا الذي يسمح باستنزاف موارد مؤسسة عمومية دون إعادة جزء يسير منها لتحسين أوضاع مستخدميها؟
الأمر لا يتعلق فقط بتأخر إداري، بل يكشف عن اختلال عميق في ترتيب الأولويات. فبينما تحظى بعض القطاعات بمؤسسات أعمال اجتماعية قوية ومؤطرة قانونياً، يستمر مستخدمو الوكالة في وضع استثنائي غير مبرر، وكأنهم خارج منظومة العدالة الاجتماعية التي يُفترض أن تشمل الجميع.
الأكثر إثارة للجدل هو ما يُتداول حول استفادة مؤسسة الأعمال الاجتماعية لوزارة المالية، بشكل غير مباشر، من مجهودات وموارد الوكالة، وهو ما يطرح إشكالاً أخلاقياً وقانونياً حول عدالة توزيع الاستفادة من الموارد العمومية. فكيف يُعقل أن تُوجَّه موارد مؤسسة نحو دعم خدمات اجتماعية لا يستفيد منها أصحابها الحقيقيون؟
أما الأمانة العامة للحكومة، التي يفترض أن تكون حارسة النصوص القانونية ومُيسّرة للمساطر التشريعية، فقد تحولت – في هذا الملف – إلى ما يشبه “مقبرة مشاريع القوانين”. صمتها المريب وعدم تفاعلها مع مطلب واضح ومشروع، يعمّق الشعور بوجود إرادة ضمنية لتجميد هذا المشروع، بدل تسريعه.
إن إحداث مؤسسة للأعمال الاجتماعية لفائدة مستخدمي الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية ليس امتيازاً، بل حق مشروع، يندرج ضمن مبادئ العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص بين موظفي ومستخدمي المؤسسات العمومية. بل إن هذا المطلب يكتسب بعداً رمزياً، حين يتعلق بإطلاق مؤسسة تحمل اسم رمز البلاد، جلالة الملك محمد السادس نصره الله، على غرار مؤسسات مماثلة في قطاعات أخرى.
اليوم، يُطرح السؤال بشكل مباشر على رئيس الحكومة عزيز أخنوش: إلى متى سيظل هذا الملف مجمداً؟ وهل من المقبول أن تستمر حكومة ترفع شعار الدولة الاجتماعية في تجاهل أحد أبسط مطالب فئة مهنية تساهم بشكل يومي في استقرار المعاملات العقارية والاقتصادية بالمملكة؟
إن استمرار هذا الوضع لا يُقوّض فقط ثقة المستخدمين في مؤسساتهم، بل يُضعف أيضاً مصداقية الخطاب الرسمي حول العدالة الاجتماعية. فالدولة الاجتماعية لا تُبنى بالشعارات، بل بقرارات جريئة تُنصف الفئات المتضررة، وتعيد الاعتبار لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
لقد طال الانتظار، ولم يعد الصمت خياراً مقبولاً.