في الوقت الذي تُبذل فيه مجهودات واضحة لتحديث وتخليق المرفق العمومي بالمغرب، وعلى رأسه مرفق التحفيظ العقاري الذي تشرف عليه الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، تظل بعض النماذج المعزولة كفيلة بإثارة القلق وإعادة طرح سؤال الحكامة والرقابة من جديد.
محافظة الأملاك العقارية بالسوالم، والتي يشهد لها عدد من المرتفقين بحسن الاستقبال وجودة التواصل تحت إشراف محافظ يوصف بالكفاءة والنزاهة، تقدم في الآن ذاته صورة مزدوجة؛ صورة مرفق يسير في اتجاه التحديث، وأخرى تتسلل إليها اختلالات تسيء إلى الثقة العامة في هذا القطاع الحساس.
وفق معطيات متداولة وسط مهنيين ومرتفقين، يثار الجدل حول إطار إداري يُسند إليه اتخاذ قرارات عقارية بالغة الحساسية، وهي قرارات لا تقف آثارها عند حدود الزمن الإداري، بل تمتد لتؤثر على حقوق الملكية والاستثمار، بل وحتى النزاعات القضائية لسنوات طويلة. خطورة هذه المهام تستوجب، من حيث المبدأ، صرامة في الانتقاء، ونزاهة لا تقبل الشك، وآليات مراقبة دقيقة.
غير أن ما يُروج يطرح علامات استفهام ثقيلة:
حديث عن اختلال في الانضباط المهني، وساعات عمل غير منتظمة، مقابل امتيازات غير مبررة. كما تُثار تساؤلات حول نمط عيش يفوق بشكل واضح الدخل المصرح به، وهي مؤشرات، إن ثبتت، لا يمكن التعامل معها باستخفاف في مرفق عمومي يفترض فيه أن يكون نموذجا للشفافية.
الأخطر من ذلك، ما يتم تداوله بخصوص شكايات سابقة من مواطنين، من بينها تسجيل صوتي يُنسب لأحد المتضررين يدعي تعرضه لابتزاز مالي في ملف عقاري سابق. وهي ادعاءات تبقى في حاجة إلى تحقيق مؤسساتي دقيق، يضمن حقوق جميع الأطراف، ويُجنب المؤسسة أي حكم متسرع أو تشهير غير مؤسس.
إن جوهر الإشكال هنا لا يتعلق بشخص بعينه، بقدر ما يرتبط بمنظومة المراقبة والتتبع. فكيف يمكن لإطار يتولى قرارات مصيرية أن يشتغل دون تقييم دوري صارم؟ وأين تقف حدود تدخل المفتشية العامة داخل الوكالة؟ وهل يتم تفعيل آليات الافتحاص الداخلي والخارجي بالنجاعة المطلوبة؟
إن ربط المسؤولية بالمحاسبة، الذي يشكل أحد أعمدة الحكامة الجيدة، لا يمكن أن يبقى شعارا نظريا. بل يقتضي تفعيل مساطر البحث الإداري كلما ظهرت مؤشرات اختلال، مع ضمان قرينة البراءة من جهة، وحماية المرفق العمومي من أي انحراف من جهة أخرى.
اليوم، وأمام هذه المعطيات المتداولة، يصبح من المشروع طرح الأسئلة التالية:
هل فتحت المصالح المركزية تحقيقا في هذه الادعاءات؟
ما مدى تفعيل آليات التفتيش والمراقبة داخل المحافظة المعنية؟
وكيف يتم تقييم الأطر التي تتخذ قرارات عقارية ذات أثر طويل المدى؟
إن حماية سمعة مرفق التحفيظ العقاري تقتضي الحزم في مواجهة أي شبهة، كما تقتضي في المقابل حماية الأطر النزيهة التي تشكل الأغلبية الساحقة داخل هذا القطاع.
وفي انتظار توضيحات رسمية، يبقى الرهان الحقيقي هو تعزيز الثقة في الإدارة، عبر الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وعدم ترك أي مجال للغموض في ملفات تمس جوهر الأمن العقاري للمواطنين.
خاتمة:
بين نموذج الكفاءة والنزاهة من جهة، وما يُروج من اختلالات من جهة أخرى، تظل الحقيقة الكاملة رهينة بفتح تحقيق جدي ومسؤول. فهل تتحرك الجهات المعنية لتبديد الشكوك، أم سيبقى “القرار العقاري” في بعض الحالات محاطا بهالة من الغموض؟