لم يعد خافياً على المتتبعين للشأن المحلي أن عمالة جرسيف تعيش على وقع اختلالات بنيوية في التدبير الإداري، تطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى قدرة السلطة الإقليمية على فرض الانضباط وربط المسؤولية بالمحاسبة. فبدل أن تكون الإدارة الترابية رافعة للتنمية وفضاءً لتكريس الحكامة الجيدة، تحولت – وفق ما يتردد في الأوساط المحلية – إلى مجال تتحكم فيه شبكات نفوذ راكمت امتيازات على مدى سنوات، مستفيدة من غياب التداول على المسؤوليات وضعف آليات المراقبة الداخلية.
المعضلة الأساسية لا تكمن فقط في وجود هذه اللوبيات، فذلك أمر تعاني منه عدة إدارات، بل في استمرارها واستقوائها دون أن تطالها أي حركة تصحيحية جدية. فعدد من رؤساء الأقسام، الذين عمروا طويلاً في مواقعهم، أصبحوا – حسب ما يتم تداوله – في وضعيات مادية مريحة تثير التساؤل حول مصادر الثروة وتضخم الممتلكات، خاصة عندما تُسجل باسم الأقارب أو داخل مدن أخرى بالجهة الشرقية. وهي معطيات، إن صحت، لا ينبغي أن تبقى في دائرة “الهمس الإداري”، بل تستوجب التحقق المؤسساتي الصارم.
في هذا السياق، يطرح سؤال محوري نفسه: أين يقف عامل الإقليم من كل هذا؟
هل يتعلق الأمر بعجز فعلي عن مواجهة مراكز النفوذ المتجذرة، أم بنوع من التردد في اتخاذ قرارات حاسمة قد تعيد ترتيب البيت الداخلي؟ فالمسؤول الترابي، بحكم موقعه، لا يُقاس فقط بقدرته على تدبير اليومي، بل بجرأته في إحداث التغيير عندما تستدعيه المصلحة العامة. والحياد أو الانتظار في مثل هذه الحالات قد يُفهم كقبول ضمني باستمرار الوضع القائم.
إن منطق الدولة الحديثة، كما كرسه دستور المملكة، يقوم على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وعلى تخليق المرفق العام وضمان الشفافية. ومن هذا المنطلق، فإن أي شبهة اغتناء غير مبرر أو احتكار طويل للمناصب الحساسة، يستوجب تدخلاً مؤسساتياً عبر آليات التفتيش والتدقيق. وهنا تبرز أهمية دور المفتشية العامة للإدارة الترابية، باعتبارها جهازاً رقابياً قادراً على فتح ملفات التدبير، وتتبع المسارات المهنية، والتدقيق في مدى احترام قواعد النزاهة وتكافؤ الفرص داخل الإدارة.
الدعوة إلى إيفاد لجنة تفتيش مركزية ليست حكماً مسبقاً على أحد، بل هي ممارسة طبيعية في دولة المؤسسات، هدفها إجلاء الحقيقة وترتيب الجزاءات أو تصحيح المسارات عند الاقتضاء. كما أن مساءلة المسؤول الأول عن الإقليم تظل بدورها جزءاً من منطق الحكامة، ليس من باب الاتهام، بل من زاوية تقييم الأداء ومدى القدرة على إحداث الدينامية المطلوبة داخل الإدارة.
ورغم هذه الصورة القاتمة نسبياً، لا ينبغي إغفال وجود كفاءات من رجال السلطة وأطر إدارية تشتغل بجدية ونزاهة، وتبذل مجهودات ملموسة في خدمة المواطنين. هؤلاء يشكلون الاستثناء الإيجابي الذي يجب دعمه وتمكينه، لأن إصلاح الإدارة لا يتم فقط بالمحاسبة، بل أيضاً بتحفيز النماذج الناجحة وإبرازها.
في المحصلة، تبقى عمالة جرسيف اليوم أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في تدبير تقليدي تُطبعُهُ مراكز النفوذ والصمت الإداري، أو الانخراط في مرحلة جديدة عنوانها الشفافية، التداول على المسؤوليات، وربط الامتياز بالمردودية. وهي مسؤولية مشتركة تبدأ من المركز ولا تنتهي عند الإقليم، لأن هيبة الدولة تُبنى أولاً داخل إداراتها.