بيتنا الآن تكتب: من يحاكم الوزراء والبرلمانيين اليوم على ماضيهم، أين كان بالأمس؟!

 

ضجيج سياسي بعد فوات الأوان… والقطار غادر المحطة!

افتتاحية نارية بقلم هيئة تحرير جريدة «بيتنا الآن»

كثر القيل والقال، وتعالت الأصوات، وانطلقت حملات النبش في السير الذاتية للوزراء والبرلمانيين، وكأن المغرب لم يعد له من القضايا ما يستحق النقاش سوى تصفية الحسابات السياسية، واستحضار الماضي في توقيت يطرح أكثر من علامة استفهام!

فجأة، اكتشف بعضهم أن للسياسيين ماضياً، وأن للوزراء مسارات، وأن للبرلمانيين مواقف وقرارات! لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: أين كنتم حين كان هؤلاء يخوضون الانتخابات، ويحصدون الأصوات، ويفوزون بالمقاعد البرلمانية؟ وأين كانت أصواتكم حين كانوا يتقلدون المسؤوليات الحكومية؟

هل أصبحت الحقيقة لا تُكتشف إلا عندما تتغير المواقع، وتتبدل موازين القوة، وتبدأ معركة الاستوزار والإعفاء؟ وهل تحولت الأخلاق السياسية إلى سلاح انتقائي، يُشهر في وجه هذا ويُغمد أمام ذاك، حسب المصالح والتحالفات؟

إن جريدة «بيتنا الآن» لا تدافع عن أحد دفاعاً أعمى، ولا تمنح أي مسؤول حصانة ضد النقد والمساءلة. بل تؤمن بأن المحاسبة حق مشروع، شريطة أن تقوم على الوقائع والأدلة، وأن تُمارس في إطار القانون، لا بمنطق التشهير، ولا وفق أهواء الخصوم، ولا بمنهجية «فتش عن الماضي عندما تعجز عن مواجهة الحاضر».

أما بخصوص الوزيرة المعفاة والنائبة البرلمانية عن دائرة بني ملال، التي يُتداول أنها حصدت أكثر من 21 ألف صوت، فإن هذه الأصوات لم يمنحها إياها أي أمين عام لحزب، ولم يصنعها قرار حزبي من فراغ؛ بل جاءت عبر صناديق الاقتراع، وباختيار الناخبين الذين وضعوا ثقتهم فيها. ومن حق الرأي العام أن يناقش مسارها وأداءها، لكن من غير المقبول أن تتحول الإرادة الانتخابية إلى تفصيل ثانوي في صراعات القيادات الحزبية.

وهنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية: بأي سند قانوني يمكن مطالبة نائبة برلمانية بتقديم استقالتها من عضوية مجلس النواب لمجرد إعفائها من مسؤولية حكومية أو بسبب خلاف سياسي؟ وهل يكفي طلب صادر عن الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، لترتيب هذا الأثر؟ أم أن الأمر يخضع لمقتضيات دستورية وقانونية وإجراءات محددة لا يجوز القفز عليها؟

إن هذه المسألة تستوجب نقاشاً قانونياً رصيناً، بعيداً عن الأحكام المسبقة. فالمقعد البرلماني ليس منصباً حكومياً يُسحب بقرار إداري، كما أن العلاقة بين الانتماء الحزبي والعضوية البرلمانية لا يجوز اختزالها في تصريحات أو مطالب سياسية. والحسم في أي حالة بعينها يقتضي الرجوع إلى الدستور والقوانين المنظمة للانتخابات والعضوية البرلمانية، مع التمييز بين الاستقالة الإرادية وفقدان العضوية وفق الحالات التي يحددها القانون.

وإذا كان حزب الاستقلال، بما يضم من كفاءات قانونية وسياسية، يرى أن هناك ما يستوجب إجراءً معيناً، فليوضح للرأي العام أساسه القانوني، بدل ترك الباب مفتوحاً للتأويلات والتجاذبات.

لكن السؤال السياسي الأعمق يبقى قائماً: من يتحمل مسؤولية الاختيارات والتزكيات؟

أليس الأمين العام والقيادة الحزبية مسؤولين عن قرارات الترشيح والتزكية، وعن تقييم الكفاءات قبل تقديمها للرأي العام باعتبارها مؤهلة لتحمل المسؤولية؟ وإذا كانت هناك أخطاء في الاختيار، فمن غير المنطقي أن يُلقى العبء كله على المرشح أو المرشحة، بينما تتوارى الجهات التي شاركت في صناعة القرار خلف ستار المزايدات.

ومن هنا، فإن «بيتنا الآن» ترى أن الشجاعة السياسية تبدأ بتحمل المسؤولية، لا بتوزيع الاتهامات، وأن النقد ينبغي أن يشمل الجميع، قيادةً ووزراءَ وبرلمانيين، وفق معيار واحد لا يتغير بتغير الأسماء والمواقع.

لقد غادر القطار المحطة، وأبحرت السفينة من الميناء، ودخلت البلاد مرحلة جديدة تستحق أن تُمنح فيها الحكومة فرصة للعمل، وأن يُحاسَب المسؤولون على برامجهم وقراراتهم ونتائجهم، لا أن تُستنزف طاقة النقاش العمومي في معارك جانبية لا تخدم المواطن ولا تجيب عن انتظاراته.

لسنا ضد كشف الحقائق، ولسنا مع دفن الملفات، لكننا ضد تحويل التوقيت السياسي إلى أداة للانتقام، وضد ازدواجية المعايير التي تجعل الصمت فضيلة حين يكون المعني حليفاً، وتجعله خطيئة حين يصبح خصماً.

رسالتنا إلى المشوشين واضحة: كفى من الضجيج، وكفى من تصفية الحسابات تحت غطاء الأخلاق!

افتحوا الملفات حين تكون هناك وقائع تستحق التحقيق، وقدموا الأدلة حين تكون هناك اتهامات، واحتكموا إلى القانون حين تكون هناك مخالفات. أما النبش الانتقائي في السير الذاتية، بعد انتهاء الاستحقاقات وتبدل المواقع، فلن يصنع إصلاحاً، ولن يبني ثقة، ولن يعوض غياب المحاسبة في وقتها المناسب.

فالسياسة ليست حفلة لتبادل الاتهامات، والأخلاق ليست ورقة انتخابية، والمسؤولية لا تتجزأ. ومن أراد محاسبة الآخرين، فليبدأ أولاً بمحاسبة اختياراته وقراراته.

«بيتنا الآن»… الخبر مقدس والتعليق حر.

شاهد أيضا

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد