بيتنا الآن: تقاعد 70 ألف موظف في أفق 2030.. هل تستعد الحكومة لتعويض الخصاص، أم تترك المرافق العمومية في مواجهة الفراغ؟
التعليم في صدارة القطاعات المتضررة.. والرهان على حكومة فاطمة الزهراء المنصوري لتحويل التحدي إلى فرصة للإصلاح
تكشف الأرقام الواردة في تقرير الموارد البشرية المرفق بمشروع قانون المالية لسنة 2027 عن تحدٍّ حقيقي ينتظر الإدارة العمومية المغربية، بعدما بات من المرتقب إحالة 70 ألفا و266 موظفا وموظفة على التقاعد لبلوغهم السن القانوني خلال الفترة الممتدة من 2026 إلى 2030. وهي أرقام لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد إحصائيات إدارية، بل باعتبارها مؤشرا يستدعي استنفار الجهود ووضع رؤية استباقية تضمن استمرارية المرافق العمومية وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
ويأتي قطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي في مقدمة القطاعات المعنية، بما مجموعه 28 ألفا و26 إحالة على التقاعد، أي ما يقارب 40 في المائة من مجموع الإحالات المرتقبة. وهو ما يضع المنظومة التعليمية أمام امتحان حقيقي، في ظل الحاجة المتواصلة إلى الأطر التربوية والإدارية، وضرورة ضمان حق التلاميذ في تعليم جيد، بعيدا عن الاكتظاظ والخصاص في الموارد البشرية.
كما أن إحالة آلاف الموظفين على التقاعد في قطاعات الداخلية والصحة والتعليم العالي والعدل والاقتصاد والمالية تطرح سؤالا جوهريا حول مدى استعداد الإدارة المغربية لتعويض الأطر التي ستغادر مناصبها، والاستفادة في الوقت نفسه من خبراتها المتراكمة، قبل أن تتحول المغادرة الجماعية إلى عامل ضغط إضافي على المرافق العمومية.
حكومة فاطمة الزهراء المنصوري أمام اختبار التدبير الاستباقي
إن جريدة «بيتنا الآن» ترى أن هذه المعطيات تضع الحكومة الجديدة، برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، أمام مسؤولية وطنية وإدارية تتطلب الانتقال من منطق تدبير الخصاص بعد وقوعه إلى منطق التخطيط المسبق، القائم على تحديد الحاجيات الفعلية لكل قطاع، وتوزيع الموارد البشرية وفق الأولويات المجتمعية والمجالية.
وإذا كانت الأرقام تشير إلى أن عدد الموظفين المدنيين بلغ 574 ألفا و26 موظفا وموظفة سنة 2026، وأن نفقات موظفي الدولة وصلت إلى أكثر من 195 مليار درهم، فإن التحدي لا يتعلق فقط بحجم الإنفاق العمومي، بل بكيفية تحويل هذه الاعتمادات إلى خدمات أفضل، وإدارة أكثر فعالية، ومؤسسات قادرة على الاستجابة لانتظارات المواطنين.
ومن هذا المنطلق، فإن الرهان الحقيقي يكمن في إطلاق مباريات التوظيف وفق الحاجيات الميدانية، وتسريع مساطر تعويض المناصب الحيوية، وتطوير التكوين المستمر، وتأهيل الشباب لتحمل المسؤولية، مع ضمان نقل الخبرات من الموظفين المقبلين على التقاعد إلى الأجيال الجديدة.
كما أن الرقمنة وتحديث الإدارة يظلان خيارين أساسيين لتخفيف الضغط على الموارد البشرية، شريطة ألا يتحولا إلى مبرر لتقليص الحضور الإداري في المناطق القروية والنائية، حيث يظل المواطن في حاجة ماسة إلى خدمات القرب، سواء في المدرسة أو المستشفى أو الإدارة المحلية.
الموظف ليس عبئا على الميزانية، بل ركيزة أساسية للتنمية. ولذلك، فإن الإصلاح الحقيقي لا يقاس فقط بالتحكم في كتلة الأجور، وإنما بقدرة الدولة على توفير العدد الكافي من الأطر المؤهلة، وتحسين ظروف عملها، وربط المسؤولية بالمردودية وجودة الخدمات.
إن تقاعد أكثر من 70 ألف موظف خلال خمس سنوات يمكن أن يشكل فرصة لتجديد الإدارة وضخ كفاءات شابة فيها، لكنه قد يتحول، في غياب التخطيط المحكم، إلى مصدر خصاص يؤثر في التعليم والصحة وباقي القطاعات الحيوية.
ومن هنا، تنتظر «بيتنا الآن» من الحكومة أن تجعل من هذا الاستحقاق الإداري أولوية ضمن برنامجها الإصلاحي، وأن تقدم للمغاربة رؤية واضحة بشأن التعويض عن المناصب الشاغرة، وتوزيع الموارد البشرية، وضمان استمرارية المرفق العمومي.
فالمواطن لا ينتظر الأرقام وحدها، بل ينتظر مدرسة تستقبل أبناءه، ومستشفى يوفر العلاج، وإدارة تقضي مصالحه في آجال معقولة. وتلك هي المعايير الحقيقية التي سيقاس بها نجاح أي إصلاح حكومي.
بيتنا الآن: الإصلاح يبدأ بالتخطيط، والنجاح يُقاس بما يلمسه المواطن في حياته اليومية