من حق المعارضة أن تنتقد، لكن ليس من حقها أن تختزل السياسة في توزيع الاتهامات واستعراض العضلات الكلامية!
مع اقتراب الاستحقاقات الجماعية لسنة 2027، يبدو أن بعض مكونات الكتابة الإقليمية لحزب العدالة والتنمية بالقصر الكبير اختارت الدخول المبكر في أجواء الحملة الانتخابية، من خلال توجيه انتقادات متكررة لرؤساء بعض المجالس الجماعية، كلما انعقدت دورة من دورات هذه المجالس، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول حدود المعارضة البناءة والفرق بين محاسبة المسؤولين والتشويش على تدبير الشأن المحلي.
ولعل رئيس المجلس الجماعي للقصر الكبير كان من بين المستهدفين بهذه الانتقادات، التي تضمنت اتهامات بالبلطجة وسوء التسيير، وهي اتهامات ثقيلة لا ينبغي أن تتحول إلى شعارات للاستهلاك السياسي، بل يتعين أن تسندها وقائع وحجج واضحة، بعيداً عن لغة التصعيد والمزايدات.
وهنا، نهمس في آذان أعضاء العدالة والتنمية بالمجلس الجماعي للقصر الكبير: اتقوا الله في هذه المدينة وساكنتها، واجعلوا من المعارضة وسيلة للإصلاح، لا منصة لتصفية الحسابات السياسية أو استباق معركة انتخابية لم يحن أوانها بعد.
والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أين كانت أصواتكم، وأين كان حضوركم السياسي حين واجهت القصر الكبير محنة الفيضانات، ووجدت الساكنة نفسها في مواجهة وضع صعب؟ إن اللحظات العصيبة هي التي تكشف حقيقة الالتزام السياسي، وتضع الجميع أمام امتحان المسؤولية والتضامن، لا أمام سباق لتبادل الاتهامات.
وإذا كان رئيس المجلس الجماعي قد حضر ميدانياً خلال تلك المحنة، وفق ما تؤكده المعطيات المتداولة، فإن ذلك لا يمنحه حصانة من المساءلة، كما لا يعفيه من واجب تقديم الحساب عن التدبير والقرارات. لكن الإنصاف يقتضي أيضاً ألا تُمحى المواقف الإيجابية، إن ثبتت، لمجرد الاختلاف السياسي، وألا تتحول المحاسبة إلى حملة تشهير أو أحكام جاهزة.
إننا في جريدة «بيتنا الآن» نؤكد أن المعارضة حق دستوري وسياسي، وأن مساءلة رؤساء الجماعات واجب ديمقراطي، لكننا نرفض أن تصبح الدورات الجماعية مسرحاً للمزايدات، أو أن تتحول معاناة المواطنين إلى مادة في حسابات انتخابية سابقة لأوانها.
فإن كانت لدى العدالة والتنمية اختلالات موثقة في تدبير جماعة القصر الكبير، فلتكشف عنها بالأرقام والوثائق، ولتقدم بدائل عملية تخدم الساكنة. أما الاكتفاء برفع سقف الاتهامات وتوزيعها يميناً وشمالاً، فلن يحل مشكلات المدينة، ولن يوفر للمواطنين فرص الشغل أو الخدمات أو الحماية من مخاطر الفيضانات.
كفى من السياسة الموسمية! كفى من استحضار المواطن عند اقتراب الانتخابات ونسيانه حين يحتاج إلى من يقف بجانبه!
القصر الكبير ليست ملكاً لحزب، ولا رهينة لرئيس مجلس، ولا حلبة لتصفية الحسابات بين الفرقاء. إنها مدينة تستحق من الجميع عملاً جاداً، ومواقف مسؤولة، ومعارضة تراقب وتقترح وتحاسب، وأغلبية تدبر وتتحمل مسؤوليتها.
أما انتخابات 2027، فلن تُحسم بالصراخ ولا بتبادل الاتهامات، وإنما بما سيقدمه كل طرف من حصيلة ومواقف وبرامج. والتاريخ السياسي للمدينة لا يكتبه أصحاب الشعارات وحدهم، بل تكتبه أيضاً ذاكرة الساكنة، وهي أقدر من الجميع على التمييز بين من يخدمها ومن يستعمل معاناتها سلّماً للوصول إلى المقاعد.
جريدة «بيتنا الآن» — الخبر مقدس والتعليق حر.