الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية.. من مؤسسة نموذجية إلى أسئلة مقلقة حول الحكامة والتدبير
على امتداد أكثر من قرن من الزمن، شكلت مؤسسة المحافظة العقارية بالمغرب إحدى الركائز الأساسية للأمن العقاري والاستقرار الاقتصادي، منذ صدور ظهير التحفيظ العقاري بتاريخ 12 غشت 1913، وافتتاح أول محافظة عقارية بمدينة أنفا سنة 1915، قبل أن تتوسع الشبكة تدريجيا لتشمل مختلف جهات المملكة.
وخلال عقود طويلة، راكمت المؤسسة تجربة إدارية وتقنية مهمة، سواء عندما كانت مصلحة تابعة للإدارة المركزية، أو قسما، أو مديرية عامة تحت وصاية وزارة الفلاحة. وقد ارتبطت تلك المرحلة بأسماء بصمت تاريخ المؤسسة، وساهمت في بناء جهاز إداري وتقني مشهود له بالكفاءة والانضباط، مما جعل المحافظة العقارية مرجعا في تدبير الملكية العقارية وتأمين الحقوق العينية.
ولم تكن المؤسسة آنذاك تعرف ما تشهده اليوم من توترات واحتجاجات وأسئلة متزايدة حول أساليب التدبير والحكامة. فالعاملون بها كانوا يشعرون بوضوح التسلسل الإداري، وكانت المسؤوليات محددة، كما كانت القرارات تخضع لسلسلة قيادة واضحة المعالم، الأمر الذي انعكس إيجابا على الأداء العام وعلى المناخ المهني داخل مختلف المصالح الخارجية.
غير أن محطة فاتح يناير 2003، التي شهدت تحول الإدارة العامة إلى الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، شكلت نقطة مفصلية في تاريخ المؤسسة. فقد كان الهدف من هذا التحول تعزيز الاستقلالية المالية والإدارية وتحديث آليات التدبير، بما يسمح بمواكبة التحولات الاقتصادية والعقارية التي يعرفها المغرب.
ولا أحد يمكنه إنكار ما حققته الوكالة من تطور على مستوى الرقمنة وتحديث الخدمات وتحسين البنيات التحتية ورفع الموارد المالية، غير أن هذه المكتسبات لا ينبغي أن تحجب النقاش حول عدد من الاختلالات التي أصبحت تثير قلق العديد من المتتبعين والمهنيين.
ومن بين أبرز الإشكالات التي يثيرها المتابعون للشأن الداخلي للوكالة، طبيعة هيكلتها الإدارية وتداخل مراكز القرار داخلها. فوجود مستويات متعددة للتدبير والتسيير، وتنامي نفوذ بعض المراكز الإدارية، خلق لدى عدد من الأطر والموظفين انطباعا بوجود فجوة بين المسؤولية القانونية والسلطة الفعلية في اتخاذ القرار.
لقد أدى هذا الوضع، بحسب عدد من الملاحظين، إلى بروز حالة من الارتباك في تحديد المسؤوليات، وإلى تراجع دور بعض الكفاءات والخبرات التي راكمتها المؤسسة عبر سنوات طويلة. كما ساهم في خلق مناخ تنظيمي أصبح محل انتقادات متزايدة داخل الأوساط المهنية.
والأخطر من ذلك أن الوكالة أصبحت خلال السنوات الأخيرة موضوع نقاشات متكررة مرتبطة بالتدبير الإداري والموارد البشرية والتعيينات في مناصب المسؤولية، وهي ملفات تستوجب قدرا أكبر من الشفافية والتواصل مع الرأي العام الداخلي للمؤسسة.
إن مؤسسة بحجم الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، والتي تضطلع بدور استراتيجي في حماية الملكية العقارية وتأمين الاستثمار، لا يمكن أن تستمر في تدبير شؤونها بمنطق الغموض أو ترك المجال لتنامي الإشاعات والتأويلات. فالمؤسسات القوية هي تلك التي تجعل من الحكامة والشفافية والمحاسبة أساسا لعملها اليومي.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة شاملة لمنظومة الحكامة داخل الوكالة، وإعادة الاعتبار للكفاءة والاستحقاق، وترسيخ ثقافة المسؤولية وربطها بالمحاسبة، مع ضمان وضوح مراكز القرار وتحديد المسؤوليات بشكل لا يترك مجالا للالتباس.
إن الرهان الحقيقي لا يتعلق بالأشخاص بقدر ما يتعلق بالمؤسسة نفسها، باعتبارها مكسبا وطنيا راكم تجربة تزيد عن قرن من الزمن. ومن ثم فإن الحفاظ على مكانتها وهيبتها يقتضي إصلاحا مؤسسيا هادئا وشجاعا، يعيد الثقة إلى الموارد البشرية ويصون سمعة مؤسسة كان ينظر إليها، لسنوات طويلة، باعتبارها نموذجا في الانضباط والنجاعة.
ويبقى الأمل قائما في أن تفتح المرحلة المقبلة نقاشا مسؤولا حول مستقبل الوكالة، بعيدا عن منطق الولاءات والصراعات الداخلية، ومن أجل ترسيخ إدارة حديثة قادرة على مواكبة الأوراش الكبرى التي يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، في مجال الأمن العقاري وتشجيع الاستثمار وتحقيق التنمية المستدامة.