تعيش الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية خلال الأيام الأخيرة على وقع موجة من الانتقادات، همّت هذه المرة إحدى المحافظات العقارية بشمال المملكة، وتحديدًا المحافظة العقارية للمضيق-الفنيدق. انتقادات تباينت حدّتها وخلفياتها، لكنها اشتركت في شيء واحد: غياب رواية رسمية واضحة تُنهي الجدل وتضع الرأي العام أمام الحقيقة.
لقد أصبح من اللافت أن مؤسسة بهذا الحجم، وبهذا الثقل الاستراتيجي، ما تزال تشتغل بمنطق الانغلاق التواصلي، رغم التحولات العميقة التي يعرفها مجال الإعلام والاتصال. فبينما تتسارع وتيرة تداول الأخبار عبر المنصات الرقمية، وتتشكل قناعات الرأي العام في لحظات، اختارت الوكالة الصمت، تاركة المجال مفتوحًا أمام التأويلات، بل وأحيانًا أمام الإشاعات التي تنخر صورتها ومصداقيتها.
إن الإدارة العامة، وهي تتابع هذا السجال الدائر، كان حريًّا بها أن تبادر بإصدار بلاغ توضيحي، يضع حدًا للجدل ويؤطر النقاش في حدوده المهنية والمؤسساتية. غير أن ما حدث هو العكس تمامًا: صمت مريب، وكأن المؤسسة تفضّل إدارة الأزمة بالإنكار أو التجاهل، وهو خيار لم يعد مقبولًا في زمن الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
والمفارقة الكبرى، أن هذه المؤسسة التي تجاوزت مداخيلها 1000 مليار سنتيم خلال سنة 2025، والتي تُعد ركيزة أساسية في المنظومة الاقتصادية والمالية للدولة، لا تتوفر – بشكل فعلي وفعّال – على مديرية متخصصة في الإعلام والاتصال والعلاقات العامة، يقودها مهنيون من ذوي التكوين الأكاديمي في هذا المجال. فكيف لمؤسسة بهذا الوزن أن تُسند مهمة التواصل إلى غير أهل الاختصاص؟ وكيف يمكن مواجهة أزمات الرأي العام بأدوات تقليدية في زمن الإعلام الرقمي المفتوح؟
إن إسناد مهام التواصل إلى أطر غير متخصصة، مهما كانت كفاءتها في مجالات أخرى، يُعد خللًا بنيويًا في الحكامة المؤسساتية. فالتواصل لم يعد وظيفة هامشية، بل أصبح ركيزة استراتيجية في تدبير الصورة، وصناعة الثقة، وامتصاص الأزمات. وهو علم قائم بذاته، له أدواته ومناهجه، ويستدعي خبرات متخصصة، لا مجرد حلول ترقيعية.
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: من له المصلحة في استمرار هذا الفراغ التواصلي داخل الوكالة؟ ولماذا يتم تعطيل إحداث مديرية للإعلام والاتصال تُواكب حجم التحديات المطروحة؟ أهو تخوف من الشفافية؟ أم استمرار لعقلية إدارية تقليدية لا تؤمن بأهمية التواصل المؤسساتي؟
لقد آن الأوان أن تنفتح الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية على محيطها الخارجي، وأن تعيد النظر في بنيتها التنظيمية، عبر إحداث مديرية قوية للإعلام والاتصال، يقودها متخصصون من خريجي المعاهد العليا، قادرون على تدبير الأزمات، والتفاعل مع وسائل الإعلام، وصياغة خطاب مؤسساتي واضح وشفاف.
إن معركة اليوم لم تعد فقط معركة تدبير عقاري أو مسح طبوغرافي، بل أصبحت أيضًا معركة صورة وثقة. ومن دون كسب هذه المعركة، ستظل الوكالة عرضة لانتقادات هي في غنى عنها، كان يمكن تفاديها ببساطة… لو كان هناك تواصل