الدفع بعدم دستورية القوانين… المغرب يفتح صفحة جديدة في حماية الحقوق والحريات

مع صدور الظهير الشريف رقم 1.26.1 بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 35.24 المتعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون، يكون المغرب قد خطا خطوة دستورية وقضائية بالغة الأهمية في مسار بناء دولة الحق والقانون، واستكمال تنزيل مقتضيات دستور 2011.

ولعل أهم ما يميز هذا القانون أنه ينقل الرقابة الدستورية من المجال النظري إلى الواقع العملي، ويجعل المواطن نفسه طرفا في حماية الدستور. فبعد أن كانت مراقبة دستورية القوانين تقتصر أساسا على الرقابة السابقة على إصدار بعض القوانين، أصبح بإمكان أي متقاض، أثناء نظر المحكمة في نزاع يهمه، أن يدفع بعدم دستورية مقتضى تشريعي إذا اعتبر أن تطبيقه سيمس بحق أو حرية يكفلها الدستور.

إن هذا التحول يعكس تطورا نوعيا في الثقافة القانونية المغربية، لأن الدستور لم يعد وثيقة مرجعية للمؤسسات فقط، بل أصبح سندا قانونيا مباشرا يلجأ إليه المواطن للدفاع عن حقوقه أمام القضاء. وهنا تتجسد دولة المؤسسات في أرقى صورها، حيث تخضع القوانين نفسها لاختبار الدستور كلما أثيرت بشأنها شبهة مخالفة للمقتضيات الدستورية.

ولا شك أن المحكمة الدستورية ستكون أمام مسؤولية تاريخية في تنزيل هذا الاختصاص الجديد، من خلال بناء اجتهاد قضائي رصين يوازن بين احترام إرادة المشرع من جهة، وضمان سمو الدستور وحماية الحقوق والحريات من جهة أخرى. فالقرارات التي ستصدرها لن تؤثر فقط في النزاعات المعروضة عليها، وإنما ستشكل مرجعا للقضاء والإدارة والمشرع، وستسهم في تطوير المنظومة القانونية الوطنية.

ومن جهة أخرى، يفرض هذا القانون تحديات جديدة على مختلف الفاعلين في منظومة العدالة. فالقضاة سيكونون مطالبين بالتعامل مع دفوع دستورية تتطلب تكوينا متخصصا، والمحامون مطالبون بتطوير مرافعاتهم لتستند إلى المبادئ الدستورية والاجتهادات المقارنة، كما سيجد المشرع نفسه مدفوعا إلى مزيد من الدقة عند صياغة النصوص القانونية، تفاديا للتصريح بعدم دستوريتها.

كما أن دخول هذا القانون حيز التنفيذ سيؤدي، على المدى المتوسط، إلى مراجعة عدد من النصوص التشريعية التي قد يثبت تعارضها مع الدستور، سواء تعلق الأمر بالحقوق المدنية أو السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية. وهو ما سيجعل التشريع المغربي أكثر انسجاما مع الدستور ومع الالتزامات الدولية للمملكة في مجال حقوق الإنسان.

غير أن نجاح هذه الآلية لا يتوقف على صدور القانون وحده، بل يقتضي حسن تنزيله عمليا، من خلال توفير تكوين مستمر للقضاة والمحامين، ونشر الثقافة الدستورية لدى المواطنين، وتسريع البت في الدفوع الدستورية حتى لا تتحول إلى وسيلة لإطالة أمد التقاضي.

إن القانون التنظيمي رقم 35.24 ليس مجرد نص إجرائي جديد، بل يمثل تحولا في فلسفة العدالة الدستورية بالمغرب. فهو يعزز مكانة الدستور باعتباره المرجعية العليا، ويمنح المواطن دورا فاعلا في الدفاع عن سموه، ويكرس مبدأ خضوع الجميع، أفرادا ومؤسسات، لأحكامه.

ويبقى الرهان الحقيقي اليوم هو أن تتحول هذه الآلية إلى وسيلة فعالة لتجويد التشريع، وتعزيز الثقة في القضاء، وترسيخ الأمن القانوني والقضائي، بما يجعل الدستور وثيقة حية تحكم الواقع، وليس مجرد نص يزين صفحات الجريدة الرسمية. وعندما يشعر المواطن بأن حقوقه الدستورية محمية فعليا داخل قاعات المحاكم، فإن ذلك سيكون أحد أبرز المكاسب الديمقراطية التي حققها المغرب في مسار تحديث منظومته الدستورية والقانوني. وتشير المادة 31من هذا القانون:” يدخل هذا القانون التنظيمي حيز التنفيذ بعد انصرام أجل أربعة وعشرين (24) ، يبتدئ من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد