التواصل المؤسساتي بالمغرب: حين تتحول مديريات الإعلام إلى عبء بدل أن تكون قوة

في زمن الثورة الرقمية المتسارعة، لم يعد التواصل داخل المؤسسات العمومية ترفًا إداريًا أو وظيفة هامشية، بل أضحى ركيزة أساسية في تدبير العلاقة مع المواطن وصناعة الصورة المؤسساتية والتأثير في الرأي العام. فكل وزارة أو مؤسسة عمومية، مهما كان حجمها أو طبيعة خدماتها، مطالبة اليوم بالتوفر على مديرية مهيكلة للإعلام والتواصل والعلاقات العامة، تعمل وفق رؤية استراتيجية تستجيب لمتطلبات العصر.

غير أن الواقع داخل بعض المؤسسات العمومية يكشف عن اختلالات عميقة، حيث ما تزال أقسام التواصل تشتغل بعقلية تقليدية، أقرب إلى الارتجال منها إلى الاحتراف. بل إن بعض هذه المصالح تعيش حالة من “السبات المؤسساتي”، لا تتحرك إلا كرد فعل متأخر على ما يُنشر في الإعلام أو على منصات التواصل الاجتماعي، في محاولة باهتة لتدارك ما فات، بدل المبادرة وصناعة الحدث.

وعند الوقوف على نموذج الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، يبرز تساؤل جوهري حول مدى جاهزية بنيتها التواصلية لمواكبة التحولات الرقمية. إذ تشير المعطيات إلى أن مصلحة التواصل داخل هذه المؤسسة تعاني من ضعف الهيكلة وغياب رؤية واضحة، فضلاً عن محدودية الكفاءات المتخصصة في مجال الإعلام والاتصال.

وهنا تطرح أسئلة مشروعة:

هل تتوفر هذه المصلحة على أطر مكوّنة تكوينًا أكاديميًا متخصصًا في الإعلام والتواصل؟

وهل تم الاستثمار في التكوين المستمر عبر شراكات مع معاهد أو مؤسسات مختصة؟

ثم ما مبررات نقل تبعية خلية الإعلام والتواصل من المدير العام إلى الكاتب العام؟ وهل يعكس هذا القرار رؤية تنظيمية أم مجرد إعادة ترتيب إداري دون أثر فعلي؟

إن التواصل المؤسساتي ليس مجرد إصدار بلاغات أو الرد على الانتقادات، بل هو سياسة عمومية قائمة بذاتها، تُبنى وفق معايير دولية دقيقة، وترتكز على التخطيط الاستراتيجي، والتفاعل الاستباقي، والشفافية، والتخصص.

وفي ظل إعلام رقمي سريع التأثير، فإن أي تأخر أو ارتباك في التواصل قد يكلف المؤسسة كثيرًا، ليس فقط على مستوى صورتها، بل أيضًا على مستوى ثقة المواطنين فيها. لذلك، فإن إصلاح منظومة التواصل داخل المؤسسات العمومية لم يعد خيارًا، بل ضرورة ملحة تفرضها تحديات المرحلة.

ختامًا، يبقى السؤال المطروح:

هل ستستوعب المؤسسات العمومية، ومنها الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، أن زمن “التواصل المناسباتي” قد انتهى، وأن المستقبل لمن يمتلك استراتيجية تواصلية احترافية قادرة على التفاعل والتأثير؟

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد