يكن الهدف من تأطير الأراضي السلالية بالمغرب سوى تحقيق العدالة المجالية، وصون حقوق ذوي الحقوق، وتحويل هذا الوعاء العقاري الهائل إلى رافعة للتنمية القروية. غير أن ما يجري اليوم في عدد من الأقاليم يطرح أكثر من علامة استفهام حول الفجوة الصارخة بين روح النصوص القانونية وواقع الممارسة، حيث تحولت هذه الأراضي، في كثير من الحالات، إلى مجال خصب للريع والاغتناء غير المشروع.
لقد جاء ظهير 9 غشت 2019، ومعه مرسوم 9 يناير 2020، ليضعا إطاراً قانونياً واضحاً لتدبير أراضي الجموع، من حيث تحديد مدة انتداب نواب الجماعات السلالية، وضبط شروط الترشح، وآليات المراقبة والعزل. غير أن التطبيق على أرض الواقع يكشف عن اختلالات بنيوية خطيرة، لعل أبرزها استمرار عدد من النواب في مناصبهم لمدد تتجاوز بكثير ما يسمح به القانون، بل إن بعضهم قضى سنوات طويلة في موقع “النيابة” دون أي تجديد أو مساءلة.
الأخطر من ذلك، أن من بين هؤلاء النواب من يقيمون خارج أرض الوطن، خاصة بإسبانيا، ويحملون بطائق إقامة، ومع ذلك يحتفظون بصفة “نائب” ويتصرفون في مصالح الجماعة السلالية عن بعد، في تناقض صارخ مع مقتضيات الحكامة الجيدة ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. فكيف يعقل أن يمثل ذوي الحقوق شخص غائب عن المجال الترابي، ولا يعيش إكراهاته اليومية ولا يدرك انتظارات ساكنته؟
إن مسؤولية هذا الوضع لا تقع على النواب وحدهم، بل تمتد إلى سلطة الوصاية على المستوى الإقليمي، ممثلة في عمال الأقاليم ورجال السلطة، الذين يفترض فيهم السهر على التطبيق الصارم للقانون، لكنهم – في حالات عديدة – يلتزمون الصمت، أو يباركون هذا الوضع بشكل مباشر أو غير مباشر. وهو ما يفتح الباب أمام تشكل شبكة مصالح تجمع بين بعض النواب وأعوان السلطة، لتتحول الأراضي السلالية إلى مصدر اغتناء سريع، بدل أن تكون أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية.
لقد أفرز هذا الواقع ما يمكن تسميته بـ”الأغنياء الجدد” في المجال القروي، وهم فئة راكمت ثروات من تدبير مشبوه لأراضي الجموع، مستفيدة من غياب الشفافية وضعف المراقبة، بل أحياناً من التواطؤ. في المقابل، يظل ذوو الحقوق الحقيقيون على هامش الاستفادة، يعانون التهميش والإقصاء، وكأن هذه الأراضي لم تُوجد أصلاً من أجلهم.
إن التساؤل الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو: ما جدوى سن ترسانة قانونية متقدمة إذا لم يتم تفعيلها؟ ولماذا لا تبادر وزارة الداخلية إلى تحيين لوائح نواب الجماعات السلالية، وعزل كل من انتهت ولايته القانونية، أو ثبتت إقامته بالخارج، أو توبع قضائياً في قضايا تمس النزاهة؟
إن المرحلة الراهنة تقتضي تدخلاً حازماً من السلطة المركزية، ليس فقط لتطبيق القانون، بل لإعادة الثقة في مؤسسات تمثيل الجماعات السلالية. فاستمرار هذا الوضع يعني ببساطة تكريس الفوضى، وتوسيع دائرة الفساد، وتهديد أحد أهم الأرصدة العقارية بالمغرب.
إن إصلاح منظومة الأراضي السلالية لن يتحقق بالشعارات، بل بقرارات جريئة تعيد الاعتبار للقانون، وتضع حداً لزواج السلطة بالمال في المجال القروي. فإما أن تكون هذه الأراضي رافعة للتنمية والعدالة، أو تظل عنواناً صارخاً للريع والإفلات من العقاب.