من أبشع صور الظلم الإداري أن يجد الموظف أو الإطار الذي أفنى عمره في خدمة مؤسسة استراتيجية، نفسه أمام باب مغلق حين يطرق طلب التمديد بعد بلوغه سن التقاعد، رغم أنه مازال في كامل قواه البدنية والفكرية وقادرا على العطاء والمردودية. لكن ما يحدث داخل الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية يكشف عن واقع صادم: ميز صارخ، وكيل بمكيالين، حيث تُمدَّد للبعض دون نقاش، بينما تُلقى طلبات آخرين في سلة الانتظار أو تُرفض دون حتى عناء الرد.
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: من المسؤول عن هذا الميز الإداري العنصري؟
هل المدير العام للوكالة هو من يقرِّر وفق أهواء شخصية؟ أم أن هناك “ظلّاً” خفياً داخل دهاليز الوكالة يسعى لإقصاء من يعتبرهم منافسين محتملين، حتى يصفو له المجال للاستفادة من امتيازات التمديد وكأنها إرث خاص به وبحاشيته؟
إنّ المفارقة صارخة: محافظون قدموا طلباتهم منذ شهور وسنوات ولم يتلقوا حتى جوابا بالقبول أو الرفض، في حين يُمدّد للمدراء والمقرّبين بسرعة البرق وكأن الأمر محسوم سلفا. هذا تلاعب خطير يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص، ويسيء لصورة مؤسسة كان يفترض أن تكون مرجعا في النزاهة والشفافية.
ولكي لا نُحمّل المسؤولية للجهة الخطأ، من الضروري القول: رئيس الحكومة ليس مسؤولا عن هذا العبث، بل هناك شخص –أو أكثر– داخل الإدارة المركزية للوكالة يتحكم في خيوط اللعبة، يوزع الامتيازات حسب الولاءات ويقصي من يشاء بلا موجب قانوني ولا مسطرة واضحة.
إن ما يحدث اليوم يفرض فتح نقاش وطني حول آليات التمديد داخل الوكالات والمؤسسات العمومية:
-
هل هي حق تنظمه مساطر شفافة واضحة؟
-
أم أنها امتياز يُمنح للمقربين وأصحاب “اليد الطويلة”؟
لقد حان الوقت لرفع الغطاء عن هذا التمييز الفجّ، والكشف عن المسؤول الحقيقي الذي يقف وراء إهانة أطر كفؤة، وحرمانها من فرصة الاستمرار في خدمة البلاد، فقط لأنهم خارج “دائرة الضوء”.
فالمؤسسات العمومية ليست ضيعة خاصة، والتمديد ليس غنيمة توزع بالمحاباة. إنها قضية عدالة إدارية، وعلى المدير العام أن يخرج من صمته ليوضح للرأي العام: هل التمديد حق تنظمه معايير موضوعية، أم امتياز محكوم بميزان الولاءات؟