واشنطن تدعو رعاياها إلى مغادرة 14 دولة… وتحذير يفتح الباب أمام كل السيناريوهات
لم يعد الشرق الأوسط يعيش على وقع التوترات التقليدية التي اعتادها العالم خلال العقود الماضية، بل دخل مرحلة جديدة تتسم بتسارع الأحداث، وتداخل الحسابات العسكرية والسياسية، وارتفاع منسوب المخاطر إلى مستويات غير مسبوقة. وفي هذا السياق، أثارت الدعوة التي وجهتها الولايات المتحدة الأمريكية إلى مواطنيها لمغادرة أربع عشرة دولة في الشرق الأوسط موجة واسعة من التساؤلات حول حقيقة ما يجري خلف الكواليس، وما إذا كانت المنطقة تقف بالفعل على أعتاب مواجهة إقليمية قد تغير موازين القوى.
وشملت الدعوة الأمريكية كلا من: إيران، العراق، سوريا، لبنان، الأردن، إسرائيل، الأراضي الفلسطينية، مصر، المملكة العربية السعودية، الكويت، البحرين، قطر، الإمارات العربية المتحدة، وسلطنة عُمان.
ولئن كانت وزارة الخارجية الأمريكية تبرر هذه الدعوة بدواعٍ أمنية وحرصها على سلامة مواطنيها، فإن مراقبين يرون أن مثل هذا القرار لا يصدر عادة إلا بناء على تقديرات استخباراتية تتوقع ارتفاع مستوى المخاطر الأمنية خلال الفترة المقبلة، سواء بسبب احتمال اتساع دائرة المواجهة مع إيران، أو تعرض المصالح الأمريكية وحلفائها لهجمات قد تمتد إلى أكثر من دولة.
وتدرك واشنطن أن أي تصعيد عسكري في الخليج أو شرق المتوسط لن يبقى محصورًا في دولة بعينها، بل قد ينعكس على أمن المنطقة بأكملها، خاصة في ظل وجود قواعد عسكرية أمريكية في عدد من دول الخليج، وتداخل المصالح العسكرية والاقتصادية بين مختلف الأطراف.
كما أن هذه الخطوة تحمل بعدًا اقتصاديًا لا يقل أهمية عن بعدها الأمني، إذ إن أي اضطراب في مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة مهمة من صادرات النفط العالمية، قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، ويزيد من الضغوط على الاقتصاد العالمي، ويؤثر في معدلات التضخم وسلاسل الإمداد الدولية.
وفي المقابل، لا يعني هذا التحذير أن الحرب الشاملة أصبحت أمرًا واقعًا، لكنه يعكس بوضوح أن الإدارة الأمريكية تتعامل مع المرحلة المقبلة باعتبارها شديدة الحساسية، وتستعد لمختلف الاحتمالات، انطلاقًا من مبدأ حماية مواطنيها وتقليص المخاطر قبل وقوعها.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل نحن أمام إجراء احترازي اعتيادي، أم أن واشنطن تمتلك معطيات استخباراتية تنذر بتطورات عسكرية وشيكة قد تعيد رسم الخريطة الأمنية والسياسية للشرق الأوسط؟
الأكيد أن المنطقة تعيش واحدة من أدق مراحلها منذ سنوات، وأن أي خطأ في الحسابات أو أي انزلاق غير محسوب قد يفتح الباب أمام أزمة إقليمية ستكون لها انعكاسات مباشرة على الأمن الدولي، وأسواق الطاقة، وحركة التجارة العالمية.
لقد دخل الشرق الأوسط مرحلة تتطلب أعلى درجات الحكمة وضبط النفس، لأن كلفة الحرب، إن وقعت، لن تقتصر على أطرافها المباشرين، بل سيدفع ثمنها العالم بأسره، اقتصادًا وأمنًا واستقرارًا.