يشهد ملف الصحراء المغربية تطورات متسارعة تعكس تحولات عميقة في موازين القوى الدبلوماسية داخل القارة الإفريقية، وفي هذا السياق برزت مستجدات جديدة وُصفت من قبل العديد من المتابعين بـ”الضربة القوية” التي تلقتها أطروحة الانفصال المدعومة من طرف الجزائر، خاصة بعد توالي مواقف دول وازنة تعيد تموقعها بوضوح لصالح مقترح الحكم الذاتي المغربي.
فقد شكل إعلان مالي سحب اعترافها بما يسمى “الجمهورية الصحراوية” مؤشراً دالاً على تراجع الدعم الإقليمي لهذا الكيان، وهو قرار لا يمكن فصله عن التحولات الأمنية والسياسية التي تعرفها منطقة الساحل، حيث باتت العديد من الدول تدرك أن استمرار النزاع المفتعل لا يخدم الاستقرار، بل يفاقم التوترات ويعرقل التنمية. كما أن هذا القرار يعكس تنامي القناعة لدى دول المنطقة بجدية وواقعية الطرح المغربي.
ولم تمض سوى ساعات حتى جاء موقف كينيا، باعتبارها قوة اقتصادية وسياسية وازنة في شرق إفريقيا، ليؤكد أن مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب تمثل “الحل الأكثر واقعية ومصداقية”. هذا التحول في موقف نيروبي ليس معزولاً، بل يندرج ضمن دينامية دولية متنامية تعترف بوجاهة المقاربة المغربية، خاصة في ظل دعم متزايد من قوى دولية وإقليمية.
في المقابل، تبدو جبهة البوليساريو في وضعية حرجة، حيث تتآكل شرعيتها السياسية يوماً بعد يوم، مع تراجع عدد الدول المعترفة بها، وارتفاع الأصوات داخل المنتظم الدولي التي تعتبر هذا الكيان مجرد أداة في صراع جيوسياسي تقوده الجزائر. كما أن أوضاع مخيمات تندوف، التي تعيش عزلة إنسانية وسياسية، تزيد من حدة الانتقادات الموجهة لقيادات الجبهة.
أما على مستوى مجلس الأمن الدولي، فإن القرارات الأممية المتتالية، رغم اختلاف أرقامها وتفاصيلها، تجمع على تأكيد أولوية الحل السياسي الواقعي القائم على التوافق، وهو ما يتقاطع بشكل واضح مع مبادرة الحكم الذاتي. كما أن لغة هذه القرارات أصبحت تميل بشكل متزايد نحو تكريس هذا الخيار كأرضية جدية للحل.
كل هذه المعطيات تضع صناع القرار في الجزائر أمام تحديات حقيقية، حيث لم يعد بالإمكان الاستمرار في نفس النهج الدبلوماسي دون مراجعة عميقة. فالعزلة التي بدأت تتشكل، خصوصاً داخل الفضاء الإفريقي، تعكس تراجعاً في القدرة على التأثير، مقابل صعود الدبلوماسية المغربية التي استطاعت بناء شبكة واسعة من الدعم.
في المحصلة، فإن ما يجري اليوم ليس مجرد أحداث متفرقة، بل هو تحول استراتيجي يعيد رسم خريطة المواقف داخل إفريقيا وخارجها. وإذا استمرت هذه الدينامية، فإن ملف الصحراء يتجه أكثر فأكثر نحو حسم سياسي قائم على الواقعية، وهو ما يجعل الأطروحات الانفصالية في موقع دفاعي متزايد، وربما في مسار أفول تدريجي.