ملاعب القرب بين نبض الدولة ونَهَم “مافيا الكراء”: من يحمي حق شباب المغرب؟
Leفي الوقت الذي ترفع فيه الدولة المغربية شعار دعم الشباب والنهوض بالرياضة كرافعة للتنمية البشرية، تتسلل ظاهرة خطيرة إلى عمق هذا المشروع، تهدد أهدافه وتفرغه من مضمونه. إنها ظاهرة “الأغنياء الجدد” الذين وجدوا في ملاعب القرب فرصة ذهبية للاغتناء السريع، على حساب فئة كان يفترض أن تكون المستفيد الأول: أطفال وشباب هذا الوطن.
إن ملاعب القرب لم تُشيد لتكون مشاريع ربحية خاصة، بل جاءت في إطار سياسات عمومية تهدف إلى تقريب الممارسة الرياضية من المواطنين، خصوصاً في الأحياء الشعبية والهامشية. لكن الواقع يكشف انحرافاً خطيراً، حيث تحولت هذه الفضاءات إلى مصدر دخل غير مشروع، تُفرض فيه “إتاوات” يومية على الشباب، بأسعار تتجاوز أحياناً قدرتهم، في مشهد أقرب إلى اقتصاد الريع منه إلى خدمة عمومية.
الأخطر من ذلك، أن هذا الاستغلال يتم في واضحة النهار، وأمام أعين السلطات المحلية والجماعات الترابية، بل إن هناك من يذهب إلى حد الحديث عن تواطؤ وصمت مريب يطرح أكثر من علامة استفهام. كيف يعقل أن تُستغل ملاعب ممولة من المال العام، دون حسيب أو رقيب؟ وأين هي آليات المراقبة والتتبع التي يفترض أن تضمن حسن تدبير هذه المرافق؟
إن هذا الوضع يفرض توجيه نداء صريح إلى كل من عبد الوافي لفتيت وسعد برادة، من أجل التدخل العاجل لوضع حد لهذا النزيف. فالمسألة لم تعد مجرد تجاوزات معزولة، بل تحولت إلى ظاهرة منظمة، يمكن وصفها دون مبالغة بـ”مافيا ملاعب القرب”.
إن ترك هذا الوضع يستمر، لا يهدد فقط حق الشباب في الولوج المجاني أو الرمزي للرياضة، بل يضرب في العمق كل الجهود المبذولة لمحاربة الانحراف والتهميش. كيف نطلب من شاب بسيط أن يبتعد عن الشارع ومخاطره، ونحن نغلق في وجهه أبواب الملعب إلا مقابل “ثمن” لا يقدر عليه؟ كيف نبني جيلاً رياضياً قادراً على التألق، ونحن نحول فضاءاته الطبيعية إلى مشاريع استغلالية؟
المطلوب اليوم ليس فقط فتح تحقيقات، بل إعادة النظر في طريقة تدبير هذه الملاعب، ووضع إطار قانوني صارم يحدد شروط استغلالها، مع ضمان مجانية أو رمزية الولوج للفئات المستهدفة. كما أن ربط المسؤولية بالمحاسبة لم يعد خياراً، بل ضرورة لإعادة الثقة في المؤسسات.
إن ملاعب القرب ليست سلعة، بل حق اجتماعي. وحمايتها من جشع “الأغنياء الجدد” مسؤولية جماعية، تبدأ من الدولة ولا تنتهي عند المواطن. فإما أن نستعيد روح هذه المشاريع، أو نتركها تتحول إلى عنوان جديد لفشل التدبير المحلي ومرآة لفساد صامت يلتهم أحلام الشباب.