مشروع قانون المحاماة بين منطق الإصلاح وهاجس الضبط: هل يعيد وهبي تشكيل ملامح المهنة أم يفتح باب التوتر؟

في لحظة تشريعية دقيقة، اختار وزير العدل عبد اللطيف وهبي أن يضع مشروع القانون رقم 23.66 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة على طاولة النقاش البرلماني، حاملاً معه خطاباً يتجاوز مجرد التقديم التقني لنص قانوني، ليأخذ أبعاداً سياسية ومؤسساتية عميقة. فالكلمة التي ألقاها أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان لم تكن فقط عرضاً لمقتضيات مشروع، بل كانت بمثابة إعلان عن توجه جديد في تدبير العلاقة بين الدولة ومهنة ظلت تاريخياً تُصنّف ضمن الحصون الأخيرة للاستقلال المهني.

الوزير دافع بقوة عن منطق “الإصلاح الضروري”، مستحضراً التحولات التي تعرفها منظومة العدالة، ومعتبراً أن مهنة المحاماة لا يمكن أن تبقى بمنأى عن دينامية التحديث. غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته الظاهرية، يطرح سؤالاً مركزياً: هل يتعلق الأمر فعلاً بإصلاح يهدف إلى الارتقاء بالمهنة، أم بمحاولة لإعادة ضبطها وفق منطق مؤسساتي جديد يحد من استقلاليتها التقليدية؟

أحد أبرز محاور المشروع، والمتعلق بشروط الولوج إلى المهنة، يكشف بوضوح عن هذا التوتر. فالتشديد على معايير الانتقاء والتكوين قد يُقرأ من زاوية إيجابية كخطوة نحو ضمان الكفاءة والجودة، لكنه في المقابل يثير مخاوف حقيقية من تحويل الولوج إلى “مصفاة اجتماعية” قد تُقصي فئات واسعة من الشباب، خاصة في ظل غياب إصلاح موازٍ لمنظومة التكوين القانوني برمتها. وهنا يبرز التناقض بين خطاب تكافؤ الفرص والواقع المحتمل لتطبيق هذه الشروط.

أما على مستوى تخليق المهنة وربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن المشروع يلامس أحد أعقد الإشكالات التي تعاني منها العدالة، غير أن المقاربة المعتمدة تثير تساؤلات حول حدود تدخل السلطة التنظيمية في شؤون هيئة يفترض فيها أن تدبر نفسها بنفسها. فبين ضرورة المحاسبة وضمان الاستقلالية، يبدو أن المشروع يسير على خيط رفيع قد ينزلق بسهولة نحو تغليب منطق الضبط على حساب منطق الاستقلال.

وفي سياق متصل، يطرح تحديث الهياكل المهنية كعنوان بارز في خطاب الوزير، لكن هذا التحديث يظل غامض المعالم في ظل غياب تصور واضح لكيفية إدماج الرقمنة دون المساس بجوهر العلاقة بين المحامي وموكله، والتي تقوم أساساً على الثقة والسرية. فهل نحن أمام تحديث حقيقي، أم مجرد إعادة ترتيب شكلية لواجهة المهنة؟

لغة الوزير، التي دعت إلى “نقاش هادئ ومسؤول”، تعكس إدراكاً مسبقاً بحجم الاحتقان الذي قد يرافق هذا المشروع. غير أن التجارب السابقة تُظهر أن مثل هذه الدعوات، رغم أهميتها، لا تكفي لاحتواء مخاوف الجسم المهني، خاصة عندما يتعلق الأمر بإصلاحات تمس جوهر الهوية المهنية للمحامين.

في العمق، يبدو أن مشروع قانون المحاماة الجديد يضع المغرب أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن تحديث مهنة حيوية دون المساس باستقلاليتها؟ وكيف يمكن فرض معايير الجودة دون السقوط في منطق الإقصاء؟ إنها أسئلة لا يملك النص القانوني وحده الإجابة عنها، بقدر ما تحتاج إلى حوار مؤسساتي حقيقي يوازن بين سلطة الدولة وحرية المهنة.

وعليه، فإن النقاش الدائر اليوم لا ينبغي أن يُختزل في تفاصيل تقنية، بل يجب أن يُقرأ في سياق أوسع يتعلق بمستقبل العدالة في المغرب. فإما أن يكون هذا المشروع مدخلاً لإصلاح متوازن يعزز الثقة في القضاء، أو يتحول إلى نقطة توتر جديدة بين الوزارة وهيئة طالما شكلت صوتاً موازياً داخل منظومة العدالة.

في انتظار ما ستسفر عنه المناقشات البرلمانية، يبقى المؤكد أن مشروع القانون 23.66 لن يمر مرور الكرام، بل سيظل عنواناً لصراع هادئ – أو صاخب – حول من يملك حق رسم ملامح مهنة المحاماة في مغرب اليوم.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد