في دولة الحق والقانون، لا يُفترض أن تكون الإدارة الترابية أداةً لتصفية الحسابات الشخصية، بل ركيزةً لضمان الحقوق وصيانة كرامة المواطنين. غير أن ما يطفو على السطح أحياناً من ممارسات معزولة يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى احترام بعض أعوان السلطة لاختصاصاتهم وحدود مهامهم، كما هو الحال في واقعة تثير الجدل بإحدى القيادات القروية التابعة لإقليم جرسيف.
تعود تفاصيل هذه القضية إلى شكاية تقدم بها أحد المواطنين إلى قائد القيادة المعنية، في مسار إداري عادي يقتضي إحالة الشكاية على الجهة المختصة للبحث واتخاذ المتعين. غير أن ما حدث، حسب المعطيات المتوفرة، يُثير القلق: إذ تم توجيه الشكاية إلى عون سلطة، رغم أن موضوعها يتقاطع مع نزاع شخصي بين المشتكي وشقيق هذا العون، ما يطرح منذ البداية إشكالية تضارب المصالح.
الأخطر من ذلك، أن عون السلطة المعني – وبدل التقيد بدوره المحدد قانوناً في التبليغ أو المعاينة – احتفظ بالشكاية لأزيد من خمسة أشهر، منذ دجنبر 2025، دون إحالتها أو اتخاذ أي إجراء يُذكر، وفق ما أكده المشتكي. وهو سلوك، إن ثبتت صحته، لا يمكن اعتباره مجرد خطأ إداري بسيط، بل قد يرقى إلى مستوى الشطط في استعمال السلطة، بل وحتى الامتناع غير المشروع عن أداء واجب وظيفي.
إن عون السلطة، مهما كانت درجته، يظل خاضعاً لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو مبدأ دستوري لا يقبل التأويل أو الانتقائية. كما أن اختصاصاته محددة بدقة، ولا تخول له بأي حال من الأحوال الاحتفاظ بشكايات المواطنين خارج المساطر القانونية، أو توظيف موقعه لتصفية حسابات شخصية أو عائلية.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال مشروع: هل عامل إقليم جرسيف، المعروف بصرامته ونزاهته، على علم بهذه التجاوزات؟ وهل رئيس قسم الشؤون الداخلية بالإقليم يتابع مثل هذه الحالات التي تمس بشكل مباشر ثقة المواطن في الإدارة الترابية؟
إن الصمت عن مثل هذه الممارسات، إن ثبتت، لا يسيء فقط إلى صورة الإدارة، بل يُغذي شعوراً بالإحباط لدى المواطنين، ويُقوض الجهود المبذولة لترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وعليه، فإن هذه الواقعة تفرض، أكثر من أي وقت مضى، ضرورة فتح تحقيق إداري نزيه ومستقل، لتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات اللازمة، حمايةً لحقوق المواطنين، وصوناً لهيبة الدولة.
فالمواطن البسيط لا يطلب امتيازاً، بل حقاً مشروعاً في أن تُعالج شكاياته بالحياد والسرعة والشفافية. وأي انحراف عن هذا المسار، مهما كان مصدره، يجب أن يُواجه بالحزم اللازم.
ولنا عودة للموضوع.