أثار عدم تقدم أي مهندس متخصص في الطبوغرافيا والمسح العقاري لشغل منصب مدير الخرائطية بالوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، الكثير من علامات الاستفهام داخل أوساط المهنيين والمتتبعين. فقرار المدير العام الصادر بتاريخ 19 مارس 2026 تحت رقم 16413، والقاضي بفتح باب الترشيح لهذا المنصب، كان يفترض أن يشهد تنافسا قويا، بالنظر إلى أهمية المنصب وحساسيته، وكذا لتوفر الوكالة على كفاءات هندسية وتقنية مشهود لها بالخبرة والتجربة.
غير أن انتهاء أجل إيداع الترشيحات يوم 10 أبريل 2026، دون تسجيل أي ترشيح، كشف عن معطى أخطر من مجرد عزوف إداري عابر. فالرسالة التي وصلت من داخل المؤسسة، وفق ما يتداول بين الأطر والمهندسين، هي أن المناصب العليا أصبحت محسومة سلفا، وأن “التباري” لا يعدو أن يكون إجراء شكليا، مادامت الكلمة الفصل ـ حسب المتداول داخل أروقة الوكالة ـ تعود إلى “ساكن الطابق 12”.
هذا المعطى يفسر، حسب مصادر مهنية، إحجام عدد من المهندسين ذوي الكفاءة العالية عن خوض تجربة يعتبرون أن نتائجها معروفة مسبقا، خاصة في ظل ما يقال عن تدخلات مباشرة في توجيه التعيينات واختيار الأسماء المرغوب فيها. ولذلك فضل الجميع الابتعاد، رغم أن المنصب يعد من أهم المناصب التقنية داخل الوكالة، ويشكل حلم عدد من الأطر العليا.
واليوم، يتكرر السيناريو نفسه مع الإعلان، بتاريخ الإثنين 18 ماي 2026، عن فتح باب الترشيح لشغل منصب مدير المحافظة العقارية، بعد إعفاء المدير السابق، وتكليف المحافظ على الأملاك العقارية لطنجة المدينة بتدبير المنصب بالنيابة. وبالرغم من الكفاءة المهنية والخبرة التي يشهد بها كثيرون للمدير الحالي بالنيابة، فإن أصواتا داخل المؤسسة تعتبر أن النتيجة أصبحت شبه محسومة مسبقا، وأن باب الترشيح فتح فقط لإضفاء طابع قانوني وشكلي على قرار جاهز.
المشكل الحقيقي لا يكمن في الأشخاص أو في كفاءتهم، بل في الصورة التي أصبحت تعكسها طريقة تدبير المناصب العليا داخل مؤسسة استراتيجية بحجم الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية. فحين يفقد الموظفون والأطر الثقة في مبدأ تكافؤ الفرص، وحين يصبح الاعتقاد السائد أن “القرار ينزل من الطابق 12”، فإن المؤسسة تكون أمام أزمة ثقة حقيقية، قد تنعكس مستقبلا على مردودية الإدارة وعلى مناخ العمل الداخلي.
إن المؤسسات القوية لا تبنى فقط بالكفاءات، بل أيضا بضمان الشفافية والنزاهة وتكافؤ الفرص. أما حين تتحول مباريات المسؤولية إلى محطات شكلية، فإن ذلك يقتل روح التنافس، ويدفع الكفاءات إلى الانسحاب في صمت، وهو ما وقع فعليا في منصب مدير الخرائطية.
ويبقى السؤال المطروح اليوم داخل أوساط الوكالة:
هل ستفرز مباراة مدير المحافظة العقارية مفاجأة حقيقية تؤكد استقلالية القرار الإداري؟ أم أن “الطابق 12” حسم الأمر منذ البداية، وما على الجميع سوى انتظار الإعلان الرسمي؟