جرسيف التي أنجبت الشعراء.. أين اختفى جمهور الثقافة؟

حين يحضر كبار الشعراء وتغيب الجماهير، فالمشكلة ليست في القصيدة وحدها، بل في علاقة مدينة كاملة بثقافتها وذاكرتها وهويتها!مؤلمٌ، بل موجعٌ حدّ الاحتراق، أن تحتضن مدينة جرسيف مهرجان «ملتقى جرسيف للشعر والموسيقى»، ويحلّ بها نخبة من كبار الشعراء، يتقدمهم الشاعر والأستاذ الكبير محمد علي الرباوي، ثم لا يجد هذا الموعد الثقافي الرفيع من الحضور الجماهيري ما يليق بقيمة ضيوفه ومكانة الشعر الذي جاؤوا للاحتفاء به.

أيُّ مفارقة هذه؟ شعراء يحملون في قصائدهم جمال اللغة وعمق الفكر وسمو الروح، ومنابر تفتح أبوابها للإبداع، بينما تظل مقاعد الجمهور شاهدة على غياب يطرح أكثر من علامة استفهام، ويوقظ في النفس حسرة على زمن كانت فيه جرسيف أكثر التصاقاً بالكلمة الجميلة، وأكثر احتفاءً بأهل الفكر والأدب.

لسنا هنا بصدد التقليل من قيمة المهرجان أو الجهد المبذول لتنظيمه، ولا من مكانة الشعراء المشاركين؛ بل إننا نكتب بحرقة مواطنٍ يعشق جرسيف، ويؤمن بأن المدن لا تُقاس فقط بشوارعها وأسواقها ومبانيها، وإنما تُقاس أيضاً بما تمنحه للثقافة من مكانة، وللمبدعين من تقدير، وللأجيال الصاعدة من فرص الانفتاح على عوالم الفكر والجمال.

جرسيف، أين جمهورك؟

أين أولئك الذين كانوا يجدون في الشعر نافذة على الحياة، وفي الأمسيات الأدبية موعداً مع الكلمة الراقية، وفي لقاء الشعراء مناسبة للاحتفاء بالعقل والوجدان؟ أين ذلك الشغف الذي يجعل الناس يتزاحمون حول قصيدة جميلة، ويصغون إلى شاعر كبير كما يصغون إلى نبض قلوبهم؟

لقد أصابني هذا الغياب بحزن عميق، وأعاد إلى ذاكرتي أيام جرسيف الجميلة، وأيام الصداقة والزمالة مع الشاعر الكبير يحيى الشيخ، الذي جمعتني به مقاعد الدراسة بثانوية الحسن الداخل بجرسيف، ثم رحاب الجامعة في بداية ثمانينيات القرن الماضي.

ويحيى الشيخ ليس اسماً عابراً في الذاكرة؛ إنه شاعر متمكن من الشعر العمودي، ورفيق مرحلة جميلة من تاريخنا الثقافي والإنساني. واستحضاره اليوم ليس مجرد حنين إلى الماضي، بل هو تذكير بما أنجبته هذه المدينة من طاقات أدبية تستحق أن تُصان ذاكرتها، وأن تجد الثقافة في حاضرها المكانة التي تليق بها.

إن المدينة التي تُعرض عن الشعر، تُعرّض ذاكرتها للجفاف!

لا يمكن أن نطالب الشعراء بالإبداع، ثم نتركهم يواجهون فراغ القاعات وبرودة التفاعل. ولا يمكن أن نرفع شعارات تشجيع الثقافة، بينما تظل التظاهرات الأدبية بعيدة عن اهتمامات شريحة واسعة من الجمهور.

إن العزوف عن الأمسيات الشعرية ليس حكماً على ذوق الناس، ولا يجوز أن يتحول إلى تهمة تُلقى على عاتقهم وحدهم؛ فهو أيضاً سؤال موجّه إلى المؤسسات الثقافية، والمنتخبين، والجمعيات المنظمة، والمدارس والجامعات، والإعلام المحلي: ماذا فعلنا حتى تصبح الثقافة قريبة من المواطن، وخصوصاً الشباب؟ وهل نجحنا في تحويل المهرجانات من مواعيد عابرة إلى جسور حقيقية تربط الجمهور بالإبداع؟

فالثقافة لا تُفرض بقرار، ولا تُصنع بالملصقات والخطابات الرسمية، وإنما تُبنى بالتربية والتواصل والاستمرارية، وببرامج تستجيب لاهتمامات الناس من دون التفريط في القيمة الفنية والأدبية. كما أن نجاح أي مهرجان لا يُقاس بعدد الأسماء اللامعة في برنامجه فقط، بل بقدرته على استقطاب الجمهور، وإثارة النقاش، وترك أثر في الوعي والوجدان.

ومن هنا، فإن ما حدث في ملتقى جرسيف للشعر والموسيقى ينبغي أن يكون مناسبة للمراجعة والتأمل، لا للتباهي بالتنظيم ولا لتبادل اللوم. المطلوب هو البحث عن أسباب هذا العزوف، وإعادة الاعتبار للفعل الثقافي، وجعل المدرسة والجامعة والفضاءات العمومية شركاء في نشر ثقافة القراءة والشعر والموسيقى.

لكِ الله يا جرسيف!

يا مدينة الذاكرة والأصدقاء، ويا أرضاً أنجبت أسماءً عشقت الكلمة، ليس من حقنا أن نستسلم للحسرة، ولا أن نعلن موت الثقافة بسبب مقاعد فارغة في مهرجان واحد. لكن من حقنا أن نرفع الصوت عالياً، وأن نسأل بمرارة: كيف نستعيد جمهوراً يقدّر الشعر، ويصالح الأجيال الجديدة مع الكتاب، ويجعل من الثقافة حاجة يومية لا ترفاً موسمياً؟

إننا في «بيتنا الآن» نؤمن بأن الثقافة ليست زينةً للمدن، بل روحها التي تمنحها المعنى. ولذلك فإن غياب الجمهور عن موعد شعري يشارك فيه كبار المبدعين ليس تفصيلاً عابراً، بل جرس إنذار يستحق أن يُسمع.

جرسيف لا تحتاج إلى البكاء على أمجادها الثقافية بقدر ما تحتاج إلى إحيائها، ولا تحتاج إلى استحضار شعرائها في الذاكرة فقط، بل إلى فتح الأبواب أمامهم وأمام جمهورهم، وإلى إعادة بناء الصلة بين الإبداع والمجتمع.

فيا جرسيف، لا تتركي القصيدة وحيدة! فحين يصمت الجمهور أمام الشعر، لا يخسر الشاعر وحده، بل تخسر المدينة شيئاً من روحها، ويخسر المستقبل نافذةً من نوافذ الجمال.

شاهد أيضا

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد