تعيينات أمنية جديدة: بين منطق الكفاءة ورهان النجاعة الميدانية

في سياق دينامية متواصلة لإعادة هيكلة المرفق الأمني، أعلنت المديرية العامة للأمن الوطني، يوم السبت 18 أبريل 2025، عن حزمة جديدة من التعيينات في مناصب المسؤولية، همّت مجالات حيوية تشمل الاستعلامات العامة، والأمن العمومي، ومصالح حوادث السير. خطوة تندرج، بحسب البلاغ الرسمي، ضمن استراتيجية تروم تجديد النخب الأمنية وتعزيز الفعالية في الأداء.

هذه التعيينات، التي شملت عدداً من المدن من قبيل الدار البيضاء ومراكش ومكناس وآسفي والجديدة وبرشيد، وصولاً إلى مدن متوسطة وصغيرة مثل اليوسفية وابن جرير وإمنتانوت وويسلان والبئر الجديد، تعكس توجهاً واضحاً نحو إعادة الانتشار المتوازن للكفاءات الأمنية، وعدم حصر التحديث في الحواضر الكبرى فقط.

منطق الكفاءة: خطاب رسمي واختبار واقعي

المديرية شددت على أن هذه التعيينات تستند إلى معايير دقيقة، في مقدمتها الكفاءة المهنية، والتجربة الميدانية، والنزاهة، مع التركيز على خريجي المعهد الملكي للشرطة الذين راكموا مسارات وظيفية تؤهلهم لتحمل مسؤوليات قيادية.

غير أن هذا الخطاب، رغم وجاهته، يظل في حاجة إلى اختبار فعلي على أرض الواقع. فالتجربة المغربية، كما في تجارب أخرى، أظهرت أن معيار الكفاءة لا يُقاس فقط بالشهادات أو المسار الإداري، بل بمدى القدرة على تدبير الأزمات، وحسن التواصل مع المواطنين، والنجاعة في اتخاذ القرار تحت الضغط.

رهان الفعالية الأمنية: من التعيين إلى الأثر

الرهان الحقيقي لهذه الحركة الانتقالية لا يكمن في عدد التعيينات أو جغرافيتها، بل في أثرها الملموس على الأمن اليومي للمواطن. فهل ستُترجم هذه التغييرات إلى تحسن في سرعة الاستجابة؟ هل ستنعكس على تقليص الجريمة وتعزيز الإحساس بالأمن؟ أم أنها ستظل مجرد إعادة توزيع للأدوار داخل نفس المنظومة؟

إن التحدي الأكبر يكمن في الانتقال من منطق “تجديد الأطر” إلى منطق “تجديد الأداء”. فالمواطن لا يعنيه اسم المسؤول بقدر ما يعنيه حضور أمني فعّال، وخدمات شرطية ذات جودة، وتعامل مهني يحفظ الكرامة ويعزز الثقة.

الأمن والانفتاح: معادلة دقيقة

من بين الأهداف المعلنة أيضاً، تعزيز “الانفتاح المرفقي” للمؤسسة الأمنية على محيطها. وهو توجه ينسجم مع التحولات الحديثة في العمل الأمني، التي لم تعد تقتصر على المقاربة الزجرية، بل أصبحت تراهن على التواصل، والشراكة مع المجتمع، والوقاية.

غير أن هذا الورش بدوره يطرح أسئلة عميقة: إلى أي حد استطاعت المصالح الأمنية تجاوز الصورة النمطية المرتبطة بالصرامة والانغلاق؟ وهل تمتلك الأطر الجديدة أدوات التواصل الحديثة، والقدرة على بناء جسور الثقة مع المواطن؟

خلاصة: خطوة في الاتجاه الصحيح… بشروط

لا شك أن هذه التعيينات تمثل خطوة إيجابية في مسار تحديث المرفق الأمني، وتعكس إرادة مؤسساتية في ضخ دماء جديدة داخل هياكل المسؤولية. غير أن نجاحها يظل رهيناً بعدة شروط، في مقدمتها ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقييم الأداء بشكل دوري، وضمان الاستمرارية في الإصلاح.

فالأمن، في نهاية المطاف، ليس مجرد خطط واستراتيجيات، بل ممارسة يومية تُقاس بمدى شعور المواطن بالطمأنينة داخل فضائه العام. وبين الخطاب الرسمي والواقع الميداني، تبقى الحقيقة الوحيدة هي ما يلمسه المواطن في حياته اليومية.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد