بنكيران وخطاب التصعيد… عندما يتحول الاختلاف السياسي إلى تجاوز للثوابت

أثار التصريح الأخير لعبد الإله بنكيران، الذي هاجم فيه مستشاري جلالة الملك، نقاشاً واسعاً في الساحة السياسية المغربية، ليس فقط بسبب مضمونه، ولكن أيضاً بسبب توقيته وطبيعة المؤسسة التي وُجه إليها الخطاب. فبالنسبة لشريحة واسعة من المغاربة، فإن مستشاري جلالة الملك يمارسون مهامهم في إطار المؤسسة الملكية، وأي هجوم عليهم يُنظر إليه باعتباره مساساً بهذه المؤسسة التي تشكل إحدى ثوابت الدولة المغربية.

لقد خرج عبد الإله بنكيران من رحم التجربة التي قادها الدكتور عبد الكريم الخطيب، الرجل الذي احتضن عدداً من قيادات الحركة الإسلامية ومهّد لتأسيس حزب العدالة والتنمية بصيغته المعروفة. وقد تميز الخطيب بالحكمة والرصانة وتقديم مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وهي قيم يتساءل كثيرون اليوم عن مدى استمرارها داخل الحزب.

ولا يمكن إنكار أن بنكيران استفاد من الظرفية السياسية التي صاحبت أحداث الربيع العربي، فقاد الحكومة بعد انتخابات 2011، وشكل تجربة سياسية تركت مؤيدين ومعارضين. غير أن انتخابات 2016 انتهت بعدم تمكنه من تشكيل الحكومة، ليتم تكليف الدكتور سعد الدين العثماني بهذه المهمة.

وإذا كان المغاربة قد اختلفوا في تقييم تجربة العثماني الحكومية، فإن كثيرين يشيدون بأسلوبه الهادئ بعد مغادرته رئاسة الحكومة، حيث فضل الابتعاد عن التصريحات المثيرة والعودة إلى ممارسة مهنته كطبيب، محافظاً على خطاب متزن واحترام للمؤسسات، وهو ما أكسبه تقديراً لدى فئات من الرأي العام.

في المقابل، يرى منتقدو بنكيران أن خطابه في الآونة الأخيرة اتسم بالتصعيد، وأن استعمال أوصاف جارحة في حق مستشاري جلالة الملك لا يخدم النقاش السياسي ولا ينسجم مع تقاليد الاختلاف المسؤول. كما يعتبرون أن المسؤول السياسي، كيفما كان موقعه، مطالب بأن يزن كلماته، لأن تأثيرها يتجاوز الأشخاص إلى صورة المؤسسات وثقة المواطنين فيها.

إن العمل السياسي يحتاج إلى النقد، لكن النقد يظل أكثر قوة عندما يستند إلى الحجة والاحترام، بعيداً عن العبارات التي قد تزيد من حدة الاستقطاب. فالمغرب اليوم في حاجة إلى خطاب يجمع ولا يفرق، ويقدم البدائل بدل تأجيج الخلافات.

وفي الختام، فإن الرسالة التي يمكن توجيهها إلى عبد الإله بنكيران هي أن التاريخ السياسي لا يخلد فقط المناصب التي تقلدها أصحابها، وإنما يخلد أيضاً أسلوب خروجهم من المشهد. لذلك، فإن المحافظة على الرصيد السياسي والرمزي تقتضي تغليب الحكمة، واحترام المؤسسات، وترك المجال للأجيال الجديدة لممارسة العمل السياسي بروح المسؤولية والالتزام بثوابت الوطن.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا