منذ أن حسم المغرب موقفه التاريخي والثابت من قضية الصحراء، وأكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس في أكثر من خطاب سامٍ أن “المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها”، لم يعد هناك مجال للغموض أو المساومة بشأن هذه القضية التي تشكل جوهر السيادة الوطنية ووحدة التراب المغربي. ومع ذلك، ما تزال بعض الدول والأحزاب والتيارات السياسية، خصوصا داخل إسبانيا، تحاول استغلال هذا الملف لأغراض انتخابية أو إيديولوجية أو خدمة لأجندات خارجية لم تعد تخفى على أحد.
ولعل أكثر الأطراف إثارة للجدل هي بعض أحزاب اليمين المتطرف الإسباني التي جعلت من مهاجمة المغرب والدفاع عن الأطروحة الانفصالية وسيلة لاستقطاب الأصوات داخل المشهد السياسي الإسباني. هذه الأحزاب لا تنطلق من قراءة واقعية للملف ولا من حرص على القانون الدولي، بل من حسابات ضيقة ومصالح انتخابية مؤقتة، حتى أصبحت مواقفها أقرب إلى المزايدات الشعبوية منها إلى التحليل السياسي الرصين.
لقد تغير العالم، وتغيرت معه موازين القوى والتحالفات الدولية. واليوم، لم يعد النقاش الجدي يدور حول مشروعية سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، بل حول أفضل السبل الواقعية والعملية لتسوية هذا النزاع المفتعل. ومن هنا جاء الدعم الدولي المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الحل الأكثر جدية ومصداقية وواقعية، وهو الموقف الذي تبنته دول كبرى ذات تأثير سياسي واقتصادي عالمي.
كما أن افتتاح عشرات القنصليات الأجنبية في مدينتي العيون والداخلة لم يكن مجرد خطوة دبلوماسية عابرة، بل رسالة سياسية واضحة تعكس التحول العميق الذي عرفه هذا الملف على المستوى الدولي. فالدول لا تفتح بعثاتها الدبلوماسية في مناطق متنازع عليها دون حسابات دقيقة ومصالح استراتيجية واضحة.
وفي المقابل، يواصل المغرب مساره التنموي بخطى ثابتة، حيث أصبح نموذجا إقليميا في جذب الاستثمارات الكبرى، وتطوير البنيات التحتية، وإطلاق المشاريع الصناعية والطاقية الضخمة. كما دخل مرحلة جديدة من التصنيع المتقدم، بما في ذلك الصناعات الدفاعية والتكنولوجية، وهو ما جعله يحظى باحترام متزايد داخل المحافل الدولية ومراكز الدراسات الاقتصادية والاستراتيجية.
أما الذين يراهنون على إبطاء هذا المسار أو عرقلة صعود المغرب عبر استغلال ملف الصحراء، فإنهم يصطدمون كل يوم بواقع جديد يؤكد أن المملكة تجاوزت مرحلة الدفاع عن شرعية موقفها إلى مرحلة ترسيخ مكاسبها السياسية والاقتصادية على الأرض.
ومن المؤسف أن بعض الجهات ما تزال تنفق الوقت والمال والجهد في معارك خاسرة، بينما كان الأجدر بها الانشغال بمشاكل شعوبها وأزماتها الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة. فالشعوب تنتظر التنمية وفرص الشغل وتحسين الخدمات العمومية، لا إعادة إنتاج نزاعات أثبت التاريخ فشلها وعجزها عن تغيير الحقائق.
إن الصحراء المغربية ليست موضوعا للمساومة أو الابتزاز السياسي، وليست ورقة انتخابية يمكن توظيفها كلما ضاقت الخيارات أمام بعض الأحزاب الباحثة عن الأضواء. لقد حسم المغرب أمره، وحسم التاريخ والجغرافيا والواقع الميداني مسار هذه القضية، وأصبح واضحا أن المستقبل يسير في اتجاه تعزيز مغربية الصحراء وترسيخ التنمية بها، بينما تتراجع تدريجيا كل الأطروحات التي راهنت على الانفصال أو التشكيك في السيادة المغربية.
الصحراء في مغربها، والمغرب في صحرائه، وهي حقيقة تتأكد يوما بعد يوم بالإنجازات التنموية، وبالدعم الدولي المتزايد، وبإرادة شعب متشبث بوحدته الترابية، غير عابئ بضجيج الخصوم أو بمناورات من لم يستوعب بعد أن عجلة التاريخ لا تعود إلى الوراء.