في عمق العالم القروي، بعيداً عن الأضواء والشعارات الرسمية حول العدالة المجالية والحكامة الترابية، تتشكل يومياً ملامح فئة جديدة من “الأغنياء الجدد”، لا عبر الاستثمار المنتج أو المبادرة الحرة، بل عبر استغلال مواقع النفوذ والوظيفة. الحديث هنا عن بعض أعوان السلطة ونواب الأراضي السلالية، الذين تحوّلوا، في عدد من المناطق، إلى فاعلين غير رسميين في إعادة توزيع الثروة العقارية خارج كل الضوابط القانونية والأخلاقية.
الأراضي السلالية، التي يفترض أن تشكل رافعة للتنمية المحلية ووعاءً جماعياً يحفظ حقوق ذوي الانتماء التاريخي والقبلي، أصبحت في حالات متعددة مجالاً للتلاعب والتفويت المقنّع. فبدل أن يتم تدبيرها وفق منطق الإنصاف والشفافية، يجري توظيفها في شبكات مغلقة تُنسّق فيها الأدوار بين بعض أعوان السلطة المكلفين بالبحث الإداري، ونواب الجماعات السلالية، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول دور سلطة الوصاية.
أولى مظاهر هذا الانحراف تتجلى في التلاعب في تحديد “ذوي الحقوق”، وهي العملية التي يفترض أن تستند إلى معايير دقيقة، من بينها الانتماء العائلي وشجرة النسب والإقامة الفعلية داخل الدوار أو القبيلة. غير أن الواقع يكشف عن إدراج أسماء غرباء لا تربطهم أي صلة تاريخية أو اجتماعية بالجماعة، مقابل إقصاء أو تهميش مستحقين حقيقيين. ويتم ذلك، في الغالب، عبر تقارير بحث موجهة، وشهادات إدارية تُمنح بمرونة مريبة.
أما الوجه الثاني لهذه الظاهرة، فيكمن في منح شواهد الاستغلال بطرق تفتقد للشفافية، حيث تتحول هذه الوثائق إلى مفاتيح للاغتناء غير المشروع، تتيح للمنتفعين الاستحواذ على مساحات مهمة من الأراضي أو الاستفادة من تعويضات وصفقات، دون وجه حق. وهنا يبرز دور التنسيق غير المعلن بين بعض أعوان السلطة ونواب الأراضي السلالية، في غياب آليات مراقبة صارمة أو محاسبة فعالة.
الأخطر من ذلك، أن هذه الممارسات لا تجري دائماً في الخفاء، بل تتم أحياناً تحت أنظار سلطات الوصاية الإقليمية، التي يُفترض فيها حماية هذا الرصيد العقاري الجماعي. وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل نحن أمام حالات معزولة من التسيب، أم أمام اختلال بنيوي يسمح بإعادة إنتاج الريع العقاري في ثوب جديد؟
إن استمرار هذا الوضع لا يهدد فقط حقوق ذوي الاستحقاق، بل يقوّض الثقة في المؤسسات، ويعمّق الإحساس بالحيف داخل العالم القروي، ويفتح الباب أمام نزاعات اجتماعية قد تكون عواقبها وخيمة. كما أنه يتناقض مع التوجهات الرسمية الرامية إلى تثمين الأراضي السلالية وإدماجها في الدينامية الاقتصادية وفق مقاربة تشاركية عادلة.
اليوم، لم يعد مقبولاً أن تبقى هذه الملفات حبيسة الرفوف أو رهينة توازنات محلية ضيقة. المطلوب هو فتح تحقيقات جدية ومستقلة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع إعادة النظر في طرق تعيين ومراقبة نواب الأراضي السلالية، وتعزيز شفافية مساطر تحديد ذوي الحقوق ومنح شواهد الاستغلال.
كما أن تمكين الساكنة المحلية من آليات الطعن والتظلم، وإشراك المجتمع المدني ووسائل الإعلام في التتبع والرصد، يشكلان مدخلاً أساسياً لكسر حلقة الريع، وإعادة الاعتبار للأرض السلالية كملك جماعي لا يقبل التفويت ولا التلاعب.
في النهاية، يبقى السؤال معلقاً: إلى متى يستمر هذا النزيف الصامت؟ وإلى متى يُحرم المستحقون من أرضهم، بينما تتضخم ثروات “الأغنياء الجدد” على حساب القانون والعدالة؟
إن الإجابة لا تحتمل التأجيل، لأن الأرض، في العالم القروي، ليست مجرد عقار… بل هي هوية وكرامة وحق تاريخي لا يسقط بالتواطؤ أو التقادم.