لم يكن تقديم رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، للبرنامج الحكومي أمام البرلمان، يومه الاثنين 19 أكتوبر 2026، مجرد محطة دستورية لاستكمال مسطرة تنصيب الحكومة، بل شكل مناسبة لعرض تعاقد سياسي جديد يفترض أن يجيب عن الأسئلة الاجتماعية والاقتصادية التي تؤرق المغاربة، ويعيد الثقة في العمل الحكومي والمؤسسات المنتخبة.
إن الرهان الحقيقي لأي برنامج حكومي لا يكمن في عدد صفحاته، ولا في قوة العبارات التي يتضمنها، وإنما في قدرته على الانتقال من لغة الالتزامات إلى واقع يلمسه المواطن في قدرته الشرائية، وفرص الشغل، وجودة التعليم، والخدمات الصحية، والعدالة المجالية، ومحاربة مظاهر الفقر والهشاشة.
فالمغاربة لم يعودوا في حاجة إلى تشخيص جديد لمعاناتهم بقدر ما ينتظرون حلولاً عملية، وآجالاً محددة، والتزامات قابلة للقياس والمحاسبة. والشباب، على وجه الخصوص، ينتظرون سياسة تشغيل تفتح أمامهم أبواب المستقبل، بدل أن تظل آمالهم معلقة بين وعود انتخابية وانتظارات مؤجلة.
ومن هنا، فإن الحكومة الجديدة مطالبة بأن تجعل الدولة الاجتماعية عنواناً للإنجاز، لا مجرد شعار سياسي، وأن تضمن عدالة في توزيع ثمار التنمية بين المدن والقرى، وبين المراكز الحضرية والمناطق التي ما تزال تعاني نقصاً في التجهيزات الأساسية والخدمات العمومية. فالتنمية الحقيقية لا تقاس بما يتحقق في الواجهات الكبرى وحدها، بل بما يصل إلى المواطن في أبعد الجماعات والمناطق المهمشة.
كما أن نجاح البرنامج الحكومي يقتضي وضوحاً في التمويل، وترتيباً للأولويات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقييماً دورياً لما يتم إنجازه. فلا معنى لالتزامات واسعة من دون مؤشرات دقيقة تسمح للبرلمان والرأي العام بمعرفة ما تحقق، وما تعثر، ومن يتحمل مسؤولية التأخير.
ولا ينبغي أن يتحول الانسجام بين مكونات الأغلبية الحكومية إلى مبرر لتغييب النقد أو إضعاف الرقابة البرلمانية. فالمعارضة، كما الأغلبية، مطالبة بتحمل مسؤوليتها الدستورية، والحكومة مطالبة بالإنصات إلى الانتقادات الجادة، وتصحيح الاختلالات، وتقديم المعطيات للرأي العام بكل شفافية.
إن «بيتنا الآن» تؤكد أن الحكم على البرنامج الحكومي لن يكون بالأمنيات أو النوايا المعلنة، بل بما ستكشف عنه الأشهر المقبلة من إجراءات وقرارات ونتائج. فالمواطن يريد أن يرى أثر السياسات العمومية في حياته اليومية، وأن يشعر بأن صوته الانتخابي لم يكن مجرد وسيلة للوصول إلى المؤسسات، بل مدخلاً لمحاسبة المسؤولين على ما التزموا به.
إن التحدي أمام الحكومة الجديدة ليس أن تقدم برنامجاً يبدو طموحاً أمام البرلمان، بل أن تجعل طموحاته واقعاً أمام المغاربة. فبين خطاب التنصيب وامتحان التنفيذ مسافة لا يختصرها إلا العمل الجاد، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.