لم يعد السؤال اليوم هو ما إذا كانت التجاوزات قد وقعت أم لا، بل أصبح السؤال الحقيقي: ماذا بعد ثبوتها؟ ولماذا ظل الملف حبيس المساطر التأديبية الداخلية رغم خطورة الأفعال المرتكبة وانعكاساتها المحتملة على الأمن العقاري بالمملكة؟
فبحسب المعطيات المتداولة، فإن الأبحاث الإدارية والتفتيشية التي باشرتها المصالح المختصة بالوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية انتهت إلى إثبات تجاوزات خطيرة منسوبة إلى رئيس مكتب التقييدات بإحدى المحافظات العقارية التابعة لجهة الدار البيضاء ـ سطات، الأمر الذي ترتب عنه توقيفه عن العمل وإحالته على المجلس التأديبي المختص للنظر في العقوبات المقررة بموجب النظام الأساسي لمستخدمي الوكالة، والتي قد تصل إلى عقوبة العزل.
غير أن ما يثير الاستغراب هو أن خطورة الأفعال المنسوبة إلى المعني بالأمر، والتي تتعلق بالتلاعب في معطيات وبيانات الرسوم العقارية، لم تقابل ـ إلى حدود الساعة ـ بخطوة موازية تتمثل في إحالة الملف على النيابة العامة المختصة من أجل مباشرة الأبحاث القضائية اللازمة.
فإذا كانت الإدارة العامة قد اقتنعت بوجود أفعال تستوجب التوقيف والمتابعة التأديبية وقد تنتهي بالعزل، فإن الرأي العام من حقه أن يتساءل: لماذا لم يتم اللجوء إلى القضاء؟ ولماذا لم تبادر الإدارة العامة للوكالة إلى وضع شكاية لدى النيابة العامة المختصة إذا كانت الوقائع تمس منظومة الأمن العقاري وثقة المواطنين في الوثائق الصادرة عن المحافظة العقارية؟
إن المسطرة التأديبية، مهما بلغت صرامتها، تظل مسطرة داخلية هدفها ترتيب المسؤولية الإدارية والمهنية للمستخدم. أما البحث القضائي فله أهداف أخرى، من بينها تحديد ما إذا كانت هناك أفعال قد تكتسي طابعاً جنائياً، والكشف عن جميع المتدخلين والمستفيدين المحتملين، وترتيب الآثار القانونية المترتبة عن ذلك.
كما أن القضية تطرح سؤالاً آخر لا يقل أهمية: هل يتعلق الأمر بتصرف فردي معزول أم بوجود أطراف أخرى استفادت من هذه العمليات؟ ذلك أن أي تلاعب مفترض في الشهادات أو المعطيات العقارية لا يحقق غايته إلا إذا كانت هناك جهات مستفيدة من الوثائق المستخرجة أو من التغييرات التي مست البيانات العقارية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى قدر أكبر من الشفافية والتواصل المؤسساتي. فالرأي العام ينتظر توضيحات رسمية من المدير العام للوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية حول حقيقة ما جرى، وحول الإجراءات المتخذة لحماية المنظومة المعلوماتية، وحول الأسباب التي جعلت الملف، إلى حدود الآن، يقتصر على الجانب التأديبي دون الإعلان عن أي مسار قضائي مواز.
إن الأمن العقاري ليس مجرد شعار مؤسساتي، بل هو ضمانة أساسية لحماية الملكية الخاصة واستقرار المعاملات وثقة المستثمرين. وكل مساس به يستوجب الوضوح والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ولذلك فإن الأسئلة المطروحة اليوم تظل مشروعة: لماذا اختارت الإدارة العامة الصمت؟ ولماذا لم تتم إحالة الملف على القضاء ما دام أن الأبحاث الإدارية انتهت إلى إثبات تجاوزات خطيرة؟ وهل ستبادر الجهات المختصة إلى كشف جميع ملابسات هذه القضية للرأي العام حماية للأمن العقاري وصوناً لحقوق المواطنين؟
إن الجواب عن هذه الأسئلة أصبح ضرورة مؤسساتية وقانونية، لأن الثقة في المؤسسات لا تبنى فقط بكشف الاختلالات، بل أيضاً بالوضوح في كيفية معالجتها ومحاسبة المتورطين فيها وفقاً للقانون.