بين الانفجارات والتكتم… عندما تتحول الأزمات الأمنية إلى أداة للدعاية

على وقع الأنباء المتداولة حول انفجارين هزا مدينة البليدة الجزائرية، تزامناً مع زيارة بابا الكنيسة الكاثوليكية البابا فرنسيس، برزت مرة أخرى إشكالية عميقة تتعلق بطبيعة تدبير الأزمات الأمنية في الجزائر، وحدود الشفافية في التعامل مع أحداث حساسة قد تمس صورة الدولة ومؤسساتها.

فحسب ما تم تداوله، فإن الانفجارين وقعا في منطقة لا تبعد سوى عشرات الكيلومترات عن العاصمة، أحدهما بالقرب من مقر أمني، في سياق زيارة دينية رفيعة المستوى تستوجب أعلى درجات اليقظة الأمنية. غير أن ما أثار الانتباه أكثر من الحادث ذاته، هو ما تلاه من صمت رسمي وتكتم إعلامي شبه مطلق، في وقت كانت فيه الحاجة إلى توضيحات دقيقة وموثوقة أمراً ملحاً لتبديد الإشاعات وطمأنة الرأي العام.

إن غياب الرواية الرسمية الواضحة يفتح الباب واسعاً أمام التأويلات، خاصة تلك التي ذهبت إلى ربط الانفجارين بمحاولة استهداف شخصية دينية عالمية، وهو ما – إن صح – يطرح تساؤلات جدية حول جاهزية المنظومة الأمنية والاستخباراتية الجزائرية في التعامل مع تهديدات من هذا الحجم، وفي ظرفية حساسة دولياً.

الأخطر من ذلك، هو ما يُروَّج من لجوء بعض الجهات إلى “تحويل الأنظار” عبر ضخ أخبار مضادة أو غير دقيقة، من قبيل الحديث عن أحداث مفبركة خارج الحدود، في محاولة لصناعة توازن إعلامي وهمي. وهي مقاربة، إن ثبتت، تعكس انتقال المعالجة من منطق تدبير الأزمة إلى منطق الهروب إلى الأمام، وهو ما لا يخدم مصداقية المؤسسات بقدر ما يفاقم من فقدان الثقة.

في المقابل، تشكل الزيارات التي قام بها بابا الفاتيكان إلى المغرب، سواء في عهد الملك الراحل الحسن الثاني أو في عهد الملك محمد السادس، نموذجاً مغايراً في التدبير الأمني والانفتاح الديني. فقد مرت تلك الزيارات في أجواء آمنة ومنظمة، وتركت صدى دولياً إيجابياً، عكس صورة بلد قادر على تأمين التظاهرات الكبرى وضمان سلامة ضيوفه.

إن المقارنة هنا لا تهدف إلى تسجيل نقاط سياسية بقدر ما تسلط الضوء على أهمية الشفافية والجاهزية الأمنية في بناء صورة الدول. فالأمن لم يعد مجرد إجراء ميداني، بل أصبح عنصراً مركزياً في القوة الناعمة للدول، يقاس بمدى القدرة على التدبير الاستباقي، والتواصل الفعال، وتقديم المعلومة الدقيقة في الوقت المناسب.

وفي ظل عالم سريع التداول للمعلومة، لم يعد ممكناً حجب الحقائق أو التحكم المطلق في تدفق الأخبار، لأن الفراغ الإعلامي سرعان ما تملؤه الإشاعات. لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في احتواء الحوادث، بل في كيفية إدارتها إعلامياً ومؤسساتياً، بما يعزز ثقة المواطن أولاً، ويحافظ على صورة الدولة خارجياً.

ختاماً، تبقى أحداث البليدة – بصرف النظر عن حقيقتها الكاملة – مؤشراً على أن معركة الدول اليوم لم تعد فقط ضد التهديدات الأمنية، بل أيضاً ضد فقدان المصداقية، وهي معركة لا تقل خطورة، ولا يمكن كسبها إلا بالوضوح، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واعتماد مقاربة تضع الحقيقة فوق كل اعتبار.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد