في الوقت الذي تتجه فيه غالبية الدول العربية إلى تعزيز التنسيق المشترك لمواجهة التحديات الإقليمية المتسارعة، وعلى رأسها التوترات المرتبطة بالدور الإيراني في المنطقة، تواصل السلطة في الجزائر انتهاج مواقف توصف بأنها بعيدة عن المزاج العربي العام، الأمر الذي يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة الحسابات السياسية التي تحكم توجهات النظام الجزائري، ومدى انسجامها مع التحولات الجيوسياسية التي تعرفها المنطقة العربية.
لقد كشفت التطورات الأخيرة المرتبطة بالتصعيد بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة أخرى، عن تباين واضح داخل الموقف العربي. ففي الوقت الذي فضلت فيه أغلب الدول العربية التمسك بخيار التهدئة، وحماية الأمن القومي العربي، وعدم الانخراط في محاور قد تزيد من اشتعال المنطقة، اختارت الجزائر خطابا سياسيا بدا أقرب إلى الاصطفاف الإيديولوجي منه إلى الواقعية السياسية التي تفرضها المصالح العربية المشتركة.
ويذهب عدد من المتابعين إلى أن هذا التوجه ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لسياسات سابقة تبنتها الجزائر في ملفات إقليمية معقدة، أبرزها الأزمة السورية، حيث كانت من الدول العربية القليلة التي حافظت على دعمها لنظام بشار الأسد في مراحل عرفت إدانات عربية ودولية واسعة لما شهدته سوريا من مآسٍ إنسانية ودمار شامل. وقد ساهم ذلك في ترسيخ صورة سياسية عن الجزائر باعتبارها تسير أحيانا عكس التيار العربي، حتى وإن كان ذلك على حساب وحدة الصف العربي أو الانسجام مع محيطها الإقليمي.
غير أن السياسة الدولية لا تبنى فقط على الشعارات أو الحسابات الظرفية، بل على قراءة دقيقة لموازين القوى والمصالح الاستراتيجية. فالدول الخليجية، على سبيل المثال، استطاعت خلال العقود الأخيرة بناء شراكات اقتصادية وسياسية قوية مع القوى الدولية الكبرى، سواء مع واشنطن أو موسكو أو بكين أو نيودلهي، وهو ما منحها ثقلا مؤثرا في المعادلات الإقليمية والدولية. كما أن هذه الدول، رغم خلافاتها السابقة مع إيران، ظلت تترك أبواب الحوار مفتوحة، انطلاقا من منطق المصالح لا منطق القطيعة الدائمة.
وفي المقابل، تبدو الجزائر اليوم مطالبة بإعادة تقييم خياراتها الدبلوماسية، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي تعرفها المنطقة. فالإصرار على اتخاذ مواقف توحي بالابتعاد عن الإجماع العربي قد يفضي إلى مزيد من العزلة السياسية، ويضعف قدرة الجزائر على لعب أدوار مؤثرة داخل الفضاء العربي والإفريقي.
إن العالم العربي يعيش مرحلة دقيقة تتطلب تغليب الحكمة السياسية، وتوحيد الجهود لمواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية والتنموية، بدل الانخراط في محاور تزيد من الانقسام. ومن هذا المنطلق، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في معاكسة المواقف العربية أو تبني خطاب تصادمي، بل في الانخراط المسؤول داخل منظومة عربية متماسكة تحفظ مصالح الشعوب وتجنب المنطقة مزيدا من التوترات.
لقد أثبتت التجارب أن التحالفات في السياسة الدولية متغيرة، وأن العداءات لا تدوم، بينما تبقى المصالح العليا للدول والشعوب هي الثابت الوحيد. ولذلك، فإن استمرار الحكام في الجزائر في نهج سياسة توصف بالتعنت والابتعاد عن محيطهم العربي، قد يجعل بلادهم أمام تحديات دبلوماسية متزايدة، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى التكتل لا إلى التشرذم، وإلى الواقعية السياسية لا إلى الحسابات الإيديولوجية الضيقة