التعليم بين منطق الإصلاح ومنطق الإعفاءات: إلى أين تسير وزارة التربية الوطنية؟

في سياق التحولات التي يعرفها قطاع التعليم بالمغرب، يطفو على السطح سؤال جوهري حول طبيعة التدبير المعتمد داخل وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، خاصة في ظل توالي قرارات الإعفاء التي همّت عدداً من المديرين الإقليميين في فترة زمنية قصيرة، وذلك منذ تولي رجل الأعمال سعد برادة مسؤولية هذا القطاع الحيوي.

لقد اعتاد الرأي العام التربوي، لسنوات، على نوع من الاستقرار النسبي في مناصب المسؤولية الإقليمية، حيث كانت التغييرات تتم وفق تقييمات دورية أو في سياق حركية إدارية محدودة. غير أن ما يشهده القطاع اليوم يطرح أكثر من علامة استفهام: هل نحن أمام دينامية إصلاح حقيقية تستهدف ربط المسؤولية بالمحاسبة؟ أم أن الأمر يعكس حالة من التخبط وغياب رؤية واضحة في تدبير قطاع معقد ومتشعب؟

إن ربط الإعفاءات بنتائج برامج بعينها، مثل “مدارس الريادة”، يفتح نقاشاً عميقاً حول مدى موضوعية مؤشرات التقييم المعتمدة. فهل يمكن اختزال نجاح المنظومة التعليمية في نتائج مشاريع نموذجية، مهما كانت أهميتها؟ وهل تتحمل الإدارة الإقليمية وحدها مسؤولية تعثر برامج، في ظل إكراهات بنيوية معروفة، تتعلق بالموارد البشرية، والبنيات التحتية، والتفاوتات المجالية؟

ثم إن منطق الإعفاء، حين يتحول إلى أداة تدبير شبه دائمة، يفقد معناه الإصلاحي، ويتحول إلى مصدر قلق وعدم استقرار داخل المنظومة. فالمدير الإقليمي، الذي يفترض أن يقود الإصلاح على المستوى الترابي، يحتاج إلى حد أدنى من الاستقرار والثقة من أجل تنزيل السياسات العمومية، لا أن يعيش تحت ضغط دائم قد يدفعه إلى اتخاذ قرارات ارتجالية أو تجنب المبادرة.

الأخطر من ذلك، أن هذا النهج قد يخلق انطباعاً بأن الوزارة تعتمد مقاربة “تجريبية” في تدبيرها، حيث يتم اتخاذ قرارات كبرى دون تمحيص كافٍ لآثارها على المدى المتوسط والبعيد. وهو ما يعيد إلى الأذهان تساؤلاً مشروعاً: هل دخل قطاع التعليم مرحلة من “التدبير المقاولاتي” الذي يركز على النتائج السريعة، ولو على حساب العمق البيداغوجي والاستقرار المؤسساتي؟

لا أحد يجادل في ضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة، ولا في أهمية تقييم أداء المسؤولين التربويين، لكن ذلك يجب أن يتم وفق معايير شفافة، ومنهجية واضحة، ورؤية استراتيجية منسجمة، لا أن يتحول إلى موجة إعفاءات تثير الشكوك أكثر مما تبعث على الاطمئنان.

إن إصلاح التعليم ليس سباقاً نحو تسجيل “نقط” إدارية، ولا مجالاً لتجريب وصفات جاهزة، بل هو ورش وطني طويل النفس، يتطلب إشراكاً فعلياً لكل الفاعلين، من أطر تربوية وإدارية ونقابية، في إطار تعاقد واضح يحدد المسؤوليات والانتظارات.

في الأخير، يبقى السؤال معلقاً: هل ما يجري اليوم داخل الوزارة يعكس إرادة حقيقية للإصلاح، أم أنه مجرد ارتباك في تدبير مرحلة دقيقة؟

الجواب، بلا شك، لن تحدده قرارات الإعفاء وحدها، بل ستكشفه نتائج المدرسة العمومية في السنوات القادمة، ومدى قدرتها على استعادة ثقة المجتمع المغربي.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد